الصفحة 76 من 82

الأمرين شرط في قبول لا إله إلا الله فإن من كذب بقلبه فهو المنافق الذي يظهر ما لا يبطن ومن صدق بقلبه وعلم الحق ولكنه لم يقرّ به ولم يقم بقلبه إنشاء الالتزام بمدلول اللفظ الذي يتلفظ به فهو المستكبر حتى وإن أظهر الخضوع بلسانه ما دام أن قلبه مصمم على عدم الخضوع للحق متى سنحت له أي فرصة فهو يبطن مخالفة ما دلت عليه لا إله إلا الله حسدًا أو كبرًا أو شهوة أو خوفًا على مصالح الدنيا، يقول ابن تيمية:"والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به" [1] .

ويشهد لهذا ما رواه أحمد في مسنده عن صفوان بن عسال قال يزيد المرادي قال قال يهودي لصاحبه اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يزيد إلى هذا النبي صلى الله عليه وسلم حتى نسأله عن هذه الآية (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ) [2] فقال لا تقل له نبي فإنه إن سمعك لصارت له أربعة أعين. فسألاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة أو قال تفروا من الزحف، شعبة الشاك، وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعتدوا، قال يزيد تعتدوا في السبت فقبّلا يده ورجله، قال يزيد فقّلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنك نبي، قال فما يمنعكما أن تتبعاني قالا إن داود عليه السلام دعا أن لا يزال من ذريته نبي وإنا نخشى، قال يزيد إن أسلمنا أن تقتلنا يهود" [3] ."

فهذان اليهوديان مصدقان وشهدا بألسنتهما بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هذه الشهادة لم تكن منهما لإنشاء الالتزام بنبوته وإنما من باب العلم والخبر المجرد.

وقد ذكر ابن القيم قصة وفد نجران وفيها إقرار الأسقف بأنه نبي مرسل. ثم ذكر الفقه المستنبط من هذه القصة"... وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه ونظير هذا قول الحبرين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل فلما أجابهما قالا نشهد أنك نبي الله، قال فما يمنعكما من اتباعي قالا نخاف أن تقتلنا اليهود ولم يلزمهما بذلك الإسلام."

(1) مجموع الفتاوى 7/ 534.

(2) الإسراء: 101.

(3) مسند أحمد 4/ 239، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 8/ 535، وقال الترمذي وهذا حديث حسن صحيح، وفي الحديث إشكال أجاب عنه ابن كثير 5/ 124 في تفسيره، وهذا الإشكال لا يؤثر على دلالة الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت