الصفحة 75 من 82

بكر الصديق فقال أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرضى فسأل عمر فقال كذلك فدخل عمر منزله فخرج والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله تبارك وتعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) . وهذا المرسل له شاهد من وجه آخر يصلح للاعتبار، قال ابن دحيم حدثنا الجوزجاني حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير" [1] فذكر قصة مشابهة لما تقدم مع وجود بعض الاختلاف، وقد رويت هذه القصة من غير هذين الوجهين، وذكر البخاري أن الزبير يحسب أن سبب نزول الآيات خصومة وقعت بينه وبين رجل من الأنصار فلما حكم الرسول صلى الله عليه وسلم للزبير قال الأنصاري أن كان ابن عمتك [2] ."

غير أن ابن جرير الطبري شيخ المفسرين يرجح أن سبب نزول الآيات القصة السابقة المتعلقة بعدم رضى المنافق بحكم الله ورسوله، قال ابن حجر"ورجح الطبري في تفسيره وعزاه إلى أهل التأويل في تهذيبه أن سبب نزولها هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، قال ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك، ثم قال ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية" [3] .

ومما تقدم يتضح بجلاء بأن من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله في أي شيء من شؤون حياته إنما يكون مؤمنًا بالطاغوت محكمًا له كافرًا بالله عز وجل فإن كل من آمن بالطاغوت فهو كافر بالله لا محالة، يقول الطبري عند تفسير قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) [4] ، يعني بذلك جل ثناؤه ألم تر بقلبك يا محمد إلى الذين أعطوا حظًا من كتاب الله فعلموه يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني يصدقون بالجبت والطاغوت ويكفرون بالله وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر والتصديق بهما شرك [5] .

فهذا الطبري قد نص صراحة بأن الإيمان بالطاغوت كفر والتصديق به شرك، وبهذا يظهر أن الرضى بغير شريعة الله حكمًا بين العباد، إنما هو شرك وكفر لأنه رضى بالطاغوت الذي أمر العباد بالكفر به.

يقول ابن القيم مبينًا أن رد التنازع إلى غير شريعة الله مضاد للإيمان أخذًا من قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [6] ،"جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين وكل منها ينتفي بانتفاء الآخر" [7] .

ومثل قول ابن القيم قول الشيخ محمد بن إبراهيم"فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلًا بل أحدهما ينافي الآخر" [8] . إذًا فالطاغوت هو المعبود من دون الله وهو المتحاكم إليه من دون الله كما جاء في الآية السابقة (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) [9] ، وكما في قول جابر رضي الله عنه الذي رواه البخاري"كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها في جهينة واحد وفي أسلم واحد وفي كل حي واحد كهان ينزل عليهم الشيطان"، وكما في قول مجاهد"والطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم" [10] .

ومما تقدم يظهر أن شرط الرضى بما دلت عليه لا إله إلا الله من أعظم الشروط وأنه يستلزم الرضى بالله ربًا وإلهًا وحاكمًا وأن من لم يرض بأحد هذه الثلاثة التي هي أركان التوحيد إنما هو مؤمن بالطاغوت لا كافر به وأن إيمانه لا يصح لفوات أحد أركانه بل إن النصوص المتكاثرة الدالة على كفر من لم يرض بالله ربًا وإلهًا وحاكمًا تدل على أن الكفر بالطاغوت ركن عظيم من أركان الإيمان وهو المقصود هنا من بيان العلاقة بين الإيمان وبين الكفر بالطاغوت.

وأما شرط الصدق القلبي في قبول لا إله إلا اله من قائلها فيدل عليه قول الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [11] ، فإن هؤلاء أعلنوا الإسلام والتصديق به بألسنتهم ولكن قلوبهم غير مصدقة فنفى الله عنهم الإيمان. وتصديق القلب يشمل أمرين الأول: العلم بالحق، والثاني: الإقرار به وإنشاء الالتزام بمدلوله، وكلا

(1) انظر الصارم المسلول ص38 - 39.

(2) انظر صحيح البخاري مع الفتح 5/ 26، وتعليقات مفيدة لابن حجر وغيره على هذه القصة.

(3) الفتح 5/ 29، وقارن بتفسير الطبري 4/ 101.

(4) النساء: 51.

(5) تفسير الطبري 4/ 83.

(6) النساء: 59.

(7) إعلام الموقعين 1/ 50.

(8) انظر رسالة تحكيم القوانين لابن إبراهيم

(9) النساء: 61.

(10) تفسير الطبري 4/ 83.

(11) البقرة: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت