الصفحة 26 من 86

وهذه الآيات وغيرها تدل على أن الإنسان لا يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطواغيت ومعاداتهم، ومعاداة كل الصفات الطاغوتية وأهلها، ومن يروج لها من أهل الردة والنفاق، وتجار الألسن وفاقدي الضمير.

إنه لا يمكن أن يستقر في قلب واحد، الإقرار بالتوحيد وأنه دين الله، ثم يعاديه، ويعرف أن الشرك هو الكفر ثم يواليه، ويذب عنه وعن أهله، باللسان والمال والسنان. فهذا الفعل من أعظم الذنوب وأكبر الآثام [1] .

فالبراءة من الشرك تقتضي البراءة من المشركين، والبراءة من الأوثان تقتضي البراءة من عابديها. قال تعالى: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الممتحنة: 4] . فقدم الباري - عز وجل - البراءة من المشركين على البراءة من الأوثان المعبودة. ومثل ذلك قول الله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48] فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم. وقال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم: 49] فقدم اعتزالهم على اعتزال ما يعبدون. وقال تعالى {وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ} [الكهف: 16] . فأشار إلى اعتزالهم واعتزال ما يعبدون من دون الله [2] .

وهذه أدلة كافية في وجوب مباينة الكفار، ومباينة الأفعال الخاصة بهم لمن كان قصده الحق والاهتداء بهداه. فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي المشركين ولا يعتزلهم، فلا يكون بذلك مسلمًا؛ لأنه بعمله هذا مخالف لملة جميع الرسل؛ فلم يقل ولم يفعل كما أمره الله. وكما ذكر الله عن أبينا إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] . فتأمل كيف قدم الباري - جل وعلا - العداوة على البغضاء؛ لأن الأولى أهم من الثانية.

فالإنسان قد يبغض الكفار ولا يعاديهم؛ فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء معًا. ولابد من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين، وأن يستمر على ذلك إلى غاية أن يسلم الكافر، ويدخل في عداد المؤمنين. ولا يستثنى من ذلك سوى المكره إكراهًا ملجئًا، فإنه يجوز له موافقة الكفار في الظاهر مع عداوته لهم في الباطن، وإظهار العداوة لهم في أول لحظة من زوال الإكراه.

هذا في مجال إظهار العداوة لهم؛ فكيف بحال من وجدت منه الموالاة، والمواصلة والمناصرة للكفار؟! أليس ذلك يدل على عدم البغضاء، وعلى عدم العداوة من باب أولى؛ وهذا يستلزم عدم الإيمان. فإن الإيمان الصحيح يوجب استمرار العداوة، والبغضاء للكفار حتى يسلموا؛ عملًا بقول الله تعالى: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] .

(فلابد لبقاء الإيمان وكماله من إعلان عداوة الكفار، وإعلان محبة المسلمين والانضمام إليهم. قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ففي قوله اشهدوا بأنا مسلمون إظهار للبراءة من الكفار وكفرهم، وزجر عن الدخول في طاعتهم، وإشعار بوجوب التميز عنهم والاعتزاز بالإسلام، والاعتداد به قولًا وفعلًا) [3] .

(وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع المسلمين سلفًا وخلفًا، أن المرء لا يكون مسلمًا إلا بالتجرد من الشرك الأكبر، والبراءة منه وممن فعله، وبغضهم، ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة والإمكان) [4] .

وقد سئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله جميعًا - (عن رجل دخل هذا الدين وأحبه وأحب أهله ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم؟.

(1) الدرر السنية ج1 ص96.

(2) (( ) المقصود باعتزالهم عدم مشاركتهم في أعمالهم الملازمة لشركهم، وإن استمر المؤمن في دعوتهم إلى الإسلام.

(3) الدرر السنية ج7 ص8.

(4) الدرر السنة ج9 ص199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت