الصفحة 28 من 86

ولما كان الكفر أو الشرك الأكبر المخرج عن الملة قد يتحقق - عند أهل السنة والجماعة - إما بقول أو فعل أو اعتقاد؛ فإن من أتى بعمل ينقض فيه - بدليل شرعي - توحيد النسك والشعائر، أو توحيد التحاكم أو توحيد الولاء؛ كان مشركًا شركًا أكبر، وكافرًا كفرًا مخرجًا من الملة، بغير اشتراط النظر أولًا إلى اعتقاده الذي في القلب، كما هو الحال في باقي الذنوب دون الشرك الأكبر.

فكما أن الإيمان عند أهل السنة ظاهر وباطن؛ فكذلك الكفر عندهم ظاهر وباطن. ويكفي تحقق الكفر في الظاهر لكي ينسحب حكمه على الباطن. هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة.

يقول الشيخ ابن عتيق - رحمه الله:(فمن قال الكفر أو فعله، أو رضي به مختارًا كفر، وإن كان مع ذلك يبغض بقلبه. وبهذا قال علماء السنة والحديث، وذكروا ذلك في كتبهم؛ فقالوا: إن المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه؛ إما نطقًا، وإما فعلًا، وإما اعتقادًا. وقرروا أن من قال الكفر كفر، وإن لم يعتقده، ولم يعمل به إذا لم يكن مكرهًا.

وكذلك إذا فعل الكفر كفر، وإن لم يعتقده ولا نطق به. وكذلك إذا شرح بالكفر صدره أي فتحه ووسعه وإن لم ينطق بذلك ولم يعمل به. وهذا معلوم قطعًا من كتبهم. ومن له ممارسة في العلم، فلابد أن يكون قد بلغ طائفة من ذلك)أهـ [1] .

أما عند الجهمية فلا كفر إلا بالتكذيب! وأما التلبس بشرك أكبر أو كفر أكبر مخرج من الملة ظاهر لنا فيه من الله برهان - فليس كفرًا عندهم إلا أن يتحقق فساد الاعتقاد الباطن- والذي هو عندهم التكذيب القلبي فقط- وهو أمر عند كثير منهم لا يمكن التحقق منه في الدنيا؛ بل عندهم قد يكذب الرجل بلسانه وينطق الكفر ويفعله- دون إكراه- وقلبه مطمئن بالإيمان!.

يقول ابن تيمية عن الجهمية: (وعندهم أيضًا أن الإنسان قد يكون مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة! قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن) أ هـ [2] .

ويقول شيخ الإسلام:(إن الردة قد تتجرد عن السب والشتم، فلا تتضمنه ولا تستلزمه، كما تتجرد عن قتل المسلمين وأخذ أموالهم؛ إذ السب والشتم إفراط في العداوة، وإبلاغ في المحادة، مصدره شدة سفه الكافر وحرصه على فساد الدين وإضرار أهله؛ ولربما صدر عمن يعتقد النبوة والرسالة، لكن لم يأت بموجب هذا الاعتقاد من التوقير والانقياد؛ فصار بمنزلة إبليس ...

ولا فرق بين من يعتقد أن الله ربه، وأن الله أمره بهذا الأمر، ثم يقول إنه لا يطيعه؛ لأن أمره ليس بصواب ولا سداد؛ وبين من يعتقد أن محمدًا رسول الله، وأنه صادق، واجب الإتباع في خبره وأمره؛ ثم يسبه، أو يعيب أمره أو شيئًا من أحواله؛ أو ينتقصه انتقاصًا لا يجوز أن يستحقه رسول.

وذلك أن الإيمان قول وعمل، فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله سبحانه وتعالى، والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام - الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح - بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء - بالقول أو بالفعل - كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجبًا لفساد ذلك الاعتقاد، ومزيلًا لما فيه من المنفعة والصلاح)أ هـ [3] .

يقول الشاطبي: (ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلًا على ما في الباطن؛ فإن كان الظاهر منخرمًا حكم على الباطن بذلك ... وهو أصل عام في الفقه وسائر أحكام العاديات والتجريبيات .. والأدلة على صحته كثيرة جدًا وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر) أ هـ [4] .

(1) الدفاع عن أهل السنة والإتباع لابن عتيق، ص28.

(2) الإيمان ص178.

(3) الصارم المسلول ص369 - 370.

(4) الموافقات ج1 ص233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت