ويقول ابن تيمية: (ولكن من رحمة الله بعباده المسلمين أن الأئمة الذين لهم لسان صدق؛ مثل الأئمة الأربعة وغيرهم- كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد؛ وكالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيدة، وأبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد- كانوا ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم في القرآن والإيمان وصفات الرب؛ وكانوا متفقين على ما كان عليه السلف من أن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لابد فيه من تصديق القلب واللسان؛ فلو شتم الله ورسوله، كان كافرًا باطنًا وظاهرًا، عندهم كلهم) أ هـ [1] .
ويقول:(هذا مذهب الفقهاء وغيرهم من أهل السنة والجماعة، خلاف ما يقوله بعض الجهمية والمرجئة القائلين بأن الإيمان هو المعرفة والقول، بلا عمل من أعمال القلوب من أنه - أي سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما ينافيه - أي الإيمان - في الظاهر، وقد يجامعه في الباطن ..
والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب، فكذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية؛ وإن كان عدم القصد لا ينفعه، كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد أن يكفر)أ هـ [2] . ويقول ابن تيمية: (إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده؛ هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) .. ثم يسوق إجماع المذاهب على كفر الساب وعلى وجوب قتله مرتدًا حتى وإن كان مقرًا بما أنزل الله؛ إلى أن يقول: وكذلك قال أصحابنا وغيرهم: من سب الله كفر، سواء كان مازحًا أو جادًا لهذه الآية - آية التوبة - وهذا هو الصواب المقطوع به) أهـ [3] .
ويقول ابن تيمية:(وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر - استحلها صاحبها أو لم يستحلها - فالدليل على ذلك جميع ما قدمنا في المسألة الأولى من الدليل على كفر الساب .. وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنما هو أدلة بينة في أن نفس أذى الله ورسوله كفر؛ مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودًا وعدمًا ..
بل في الحقيقة كل ما دل على أن الساب كافر، وأنه حلال الدم لكفره فقد دل على هذه المسألة؛ إذ لو كان الكفر المبيح هو اعتقاد أن السب حلال لم يجز تكفيره وقتله، حتى يظهر هذا الاعتقاد ظهورًا تثبت بمثله الاعتقادات المبيحة للدماء)أهـ [4] .
(1) الإيمان ص385.
(2) الصارم المسلول ص512 - 513.
(3) الصارم المسلول ص512 - 513.
(4) الصارم المسلول ص517.