الصفحة 30 من 86

وأما من تأثر بالجهمية من المرجئة المعاصرين، فلا كفر عندهم بأعمال الشرك والكفر الأكبر المخرج من الملة إلا أن يكون الفاعل مستحلًا له بقلبه. ولكنهم لم يشرحوا معنى الاستحلال القلبي بما يخرج عن كونه تكذيبًا أو تغييرًا للاعتقاد؛ فخالفوا الجهمية في اللفظ، ووافقوهم في المعنى والحقيقة حيث يقرر أحدهم مثلًا أنه لا يخرج من الملة إلا الكفر الاعتقادي [1] .

ويقول آخر: (إن الخطة الجديدة لتقويض الدعوة الإسلامية، تقع في إطار الاستثمار العام لفكرة التكفير والجاهلية، التي تقوم على أحكام بتكفير الحاكم، وجاهلية المجتمع، وتكفير جزافي للأفراد؛ لأن موالاة الكافرين كفر ولأن ظاهر المجتمع الكفر، والرضا بالكفر كفر، فيثبت الكفر ظاهرًا دون أن يثبت يقينًا .. إلى نهاية هذا الجدل الكلامي الذي دخل على المسلمين في وقت عزهم، وازدهار دولتهم، وعلو كلمتهم) . هذا نص كلامه أ هـ [2] .

ونحن نقول: إذا ثبتت الأدلة الشرعية على الحكم بالكفر في قول أو فعل أو اعتقاد؛ ثم فعل إنسان- ما- ما ثبت الدليل على كفر فاعله، فإنه يحكم بكفره.

(فإذا كان الدليل قد ورد أن من أعان ظالمًا قد شاركه في ظلمه؛ فكيف بمن يعين الكفار والمنافقين على كفرهم ونفاقهم) [3] .

والمقصود من ذلك هو التنبيه على ما يكثر وقوعه ممن ينتسبون إلى الإسلام في إظهارهم الموافقة للكفار خوفًا منهم من غير إكراه فعلي على الموافقة، أو طمعًا في مال، أو منصب، أو جاه؛ وهم يظنون أنهم لا يكفرون بذلك، إذا كان القلب كارهًا لهم، ويستدلون على ذلك بدعوى الإكراه، وبقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] . ولكن الصحيح أن للتقية عند العلماء شروطًا منها:

1 -أن يكون الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه وأهله فيجوز له أن يظهر المحبة والموالاة، بشرط أن يضمر خلاف ما يظهر لهم؛ وبأن يعرض في كلامه ما أمكن. وعلى هذا فالتقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.

2 -أن التقية رخصة؛ فلو تركها وصبر على ما يناله في سبيل الله كان أفضل، مثل ما حصل من بعض الصحابة - رضي الله عنهم - فيما فصلنا في موضوع الإكراه كما سيأتي.

والقول بكفر من والى الكفار، أو رضي عنهم، أو أعانهم على كفرهم ليس جدلًا كلاميًا دخل على المسلمين في وقت عزهم وازدهار دولتهم، كما يعتقد البعض؛ ولكن ذلك أصل من أصول الإسلام ومبانيه العظام؛ وقد ذكرنا من الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة ما فيه الكفاية لمن وفقه الله وهداه. وبهذا الأصل تحدث أئمة الدعوة وشيوخ الإسلام.

إن ما حدث للمسلمين من إضاعة للإسلام ومقدساته وديار المسلمين واعتداء على الأنفس، والأعراض، والأموال؛ إنما كان بسبب جهل كثير من المسلمين بحقائق الإسلام وواجباته. ومن أهم تلك الأمور التي جهلها كثير من المسلمين المعاصرين احتضان أعداء الله ومسايرتهم في خط انحرافهم، وما علموا أن المتابعة الجزئية للكفار المقرونة بالمحبة والمودة لهم كفر مخرج من الملة فما بالك بالوقوف معهم صفًا واحدًا يقاتلون إخوانهم المسلمين على دينهم.

لأن الحكم يتعلق بنوع العمل لا بكثرته؛ فقطرة البول ناقضة للوضوء ولا حد لأكثره؛ وما أسكر كثيره فقليله حرام. وكذلك شأن الموالاة مع الكفار إذا ارتبطت الموالاة القولية أو الفعلية بالمحبة والمودة.

ولذلك عرف العلماء الإيمان بأنه (اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان) [4] فبين هذه الجوانب ارتباط وتلازم لا يتحقق وصف الإيمان للمؤمن إلا بتحقق هذه الجوانب الثلاثة.

(1) انظر كتاب الحكم وقضية تكفير المسلم- تأليف سالم علي البهنساوي. ص45، 54، 55.

(2) انظر - الخوارج - الأصول التاريخية لمسألة تكفير المسلم - تأليف الدكتور مصطفى حلمي، تقديم محمد عبد الحكيم خيال ص - ك من التقديم.

(3) مجموعة التوحيد ص121 - 127.

(4) شرح الطحاوية ص267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت