الصفحة 31 من 86

ذلك أن العبادة في الإسلام ليست كلمة تقال باللسان، وليست هي فقط الشعائر التعبدية وحدها من صلاة وصوم وزكاة، وحج، كما يظن بعض الناس. إن النطق بالشهادتين يقتضي العمل بموجبهما؛ ليكون موحدًا من نطق بهما توحيدًا حقيقيًا. ومن مقتضيات شهادة التوحيد، الموالاة في الله، والمعاداة فيه. فمن توجه بالولاء والمحبة والنصرة للكفار أينما كانوا؛ فإن هذا نقض لشهادة التوحيد، ولو ظل ينطقهما مئات المرات.

إن التوحيد يشمل كل حياة الإنسان وعمله، وكل فكره ومشاعره وحتى خلجات النفس الداخلية التي يخفيها الإنسان داخل نفسه ولا يبينها؛ ولكنها لا تخفى على الله تعالى ...

إن التوحيد لا يتم في حقيقة الواقع حتى تكون كل أعمال الإنسان وفكره ومشاعره مستقيمة على منهج الله، مستمدة من وحي الله. وهذا لا يعني أن الإنسان يجب أن يكون معصومًا من الخطأ؛ ولكن الأخطاء تتفاوت؛ فمنها ما يكون سهوًا وخطأ، ومنها ما يكون عمدًا وتهاونًا، ومنها ما هو من صغائر الذنوب، ومنها ما يكون كبيرة من كبائر الذنوب. وقد يكون منها ما هو ردة وكفر، وذلك يختلف باختلاف الأفعال والنيات.

ولكن التوجه بالمحبة والمودة إلى الكفار والمشركين، وإقامة منهج الحياة والسلوك على هذا الأساس - ردة كاملة لا شبهة فيها، ولا غبار عليها؛ حيث إن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تمنع موالاة الكفار جملة وتفصيلًا.

فمحبة هوى النفس بغير التقيد بحب ما يحب الله، أو بغض ما يبغضه الله - يعتبر شركًا وكفرًا بواحًا ...

فالموالاة الحقيقية لله والمعاداة فيه، يجب أن تدور عليهما الأعمال الظاهرة، وتنتج عنهما؛ فالإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان ...

وقد شذ بعض أهل الكلام في مسألة الإيمان هل هو قول وعمل أم لا؟ فقالت جماعة [1] بأن الإيمان هو تصديق القلب فقط. وقال الجمهور [2] بأن الإيمان قول وعمل .. وهو أن الإيمان هو ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح .. حيث قالوا إن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان ...

وقد شذ بعض المعاصرين في هذا فقال: لا يخرج من الملة إلا الكفر الاعتقادي [3] ثم يقول: (الأصل أنه لم يوجد دليل على أن المسلم قد نقض إيمانه؛ فتظل القاعدة العامة بالحكم له بالإسلام بمجرد النطق باللسان أي الشهادة) [4] .

وعلى هذا القول فإن الحكام الذين يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويحكمون بغير ما أنزل الله - إنهم من المسلمين الذين تجب طاعتهم وموالاتهم ونصرتهم! ..

إنه لابد أن يفهم كل مسلم ويدرك كل مؤمن، أن هناك فرقًا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بين المؤمنين الأبرار، والكافرين الفجار، بين أهل الطاعة وأهل المعصية - في المعاملة والتعامل معهم؛ فهذا أصل عظيم من أعظم ما يجب الاعتناء به على المسلم، فردًا كان أو جماعة أو دولة؛ لأنه قد دخل بسبب المساواة في التعامل بين الأخيار والأشرار، من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يعلمه إلا الله في بلاد المسلمين؛ حتى صار منهم معاونين لأهل البغي والفساد، ظنًا منهم أنهم إذا كانت لهم أحوال من الصلاح في تأدية بعض شعائر العبادة فإن ذلك يكفي عن أعمال القلب والجوارح في مسألة الحب في الله والبغض فيه ...

(1) هم الجهمية ومن وافقهم.

(2) هم جمهور أهل السنة، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة، وأهل الظاهر، وجماعة من المتملكين.

(3) الحكم وقضية تكفير المسلم/ سالم علي البهنساوي ص45.

(4) الحكم وقضية تكفير المسلم/ سالم علي البهنساوي ص45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت