وقد قال أحد رجال البادية عندما قدم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - فسمع من التوحيد، وعرف ما كان عليه قومه من الشرك؛ قال: أشهد أن قومي كفار، وأن مطوعهم الذي يسميهم أهل الإسلام أنه كافر [1] . فأطلق على قومه وعلى إمامهم الكفر رغم أنهم يؤدون الشهادتين مع ثباتهم على لفظها، ولكنه أدرك بالفطرة السليمة أنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا وهو الشرك، فقال فيهم ما قال. وقد أقره على ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله نظرًا لما كانوا متمسكين به من بدع وانحرافات تؤدي بالمتمسك بها إلى الشرك. فلما وقع منهم الشرك، قال فيهم ما قال.
والنطق بالشهادتين لا يكفي للكف عن قتال من لم يمتثل ببقية أركان الإسلام وواجباته؛ بدليل قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] .قال المفسرون في معنى (فتنة) كفر وشرك [2] ومعنى قوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} وقوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الشرائع والأنظمة، في كافة وجوه الحياة [3] ...
وقد قاتل أبو بكر - رضي الله عنه - مانعي الزكاة وهم يقولون (لا إله إلا الله) ، ولكنهم حين امتنعوا عن دفع الزكاة، أصبح نطقهم لها لا تأثير عليهم، في عصمة الدم والمال، ولا في اعتبارهم من أهل الإسلام [4] . قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلى قوله {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] . فبين - سبحانه وتعالى - أنه لا يخلى سبيلهم حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ ولم يكتف بالنطق بالشهادتين.
ووافق ما دلت عليه هذه الآية، الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؛ وحسابهم على الله" (رواه مسلم) .
ومما تقدم يتبين أن المسلم إذا حدث منه قول أو فعل أو اعتقاد يناقض أركان الإسلام وأصوله، لم ينفعه مجرد النطق بالشهادتين، كما قال تعالى للذين تكلموا بالكلام السيء في غزوة تبوك: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] وقال تعالى عن المنافقين: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ} [التوبة: 74] . فدلت الآية على أن المنافقين كفار في الواقع، وإن كانوا في الظاهر يتظاهرون بالإسلام ...
فإذا كان في هاتين الآيتين المتقدمتين تكفير لأناس ينطقون بالشهادتين ويؤدون أركان الإسلام، ويخرجون للجهاد فيه، وبمجرد قولهم لكلمات قليلة من الكفر، حكم الله عليهم بالكفر؛ فأين موقع أهل زماننا الذين جعلوا السخرية بالدين وأهله مادة لهم في صحفهم، وإذاعاتهم، ووسائل إعلامهم عامة. ولم يكتفوا بذلك؛ بل شنوا حرب الإبادة والتنكيل على كل مسلم غيور، وحاصروه في كل صقع من أصقاع الأرض.
إن تلك الأدلة المتقدمة سقناها إلى الذين يحسبون الإسلام تمتمات جوفاء، وهمهمات خاوية؛ ناسين أو متناسين أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل.
(1) مجموعة التوحيد ص26.
(2) تفسير القرطبي ج2 ص353 - 354.
(3) تفسير القرطبي ج2 ص353 - 354.
(4) مجموعة التوحيد ص145 - 146.