الصفحة 34 من 86

وأما عند أهل السنة والجماعة - وكما ذكرنا - فإن أعمال الشرك والكفر الأكبر المخرج عن الملة، فكافية بمجردها لكفر صاحبها وخروجه عن دين الله، بغض النظر عن وجود أو عدم وجود التكذيب أو الاستحلال.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله: إن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها لسانه، وقد يقولوها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل أهـ [1] .

ويستدل على ذلك بحديث (إن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه) [2] .

(والإنسان قد يكفر بالمقالة الكافرة وفعل الكفر، وإن كان عند نفسه أنه لم يأتِ بمكفر؛ كما حصل من المنافقين في غزوة تبوك، قال تعالى: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] فهؤلاء ظنوا أن ذلك ليس بكفر ولكن الآية دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر، ولو لم يعلم [3] ، أو يعتقد أنه كافر، لا يعذر بذلك؛ بل يكفر بفعله القولي والعملي. ومن أجل ذلك، فالذي يسب الإسلام أو شعائره كافر بطريق الأولى؛ وإن لم يعتقد أنه كافر) [4] .

وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين(إن هناك فئة من الناس لا تعرف الإيمان بالله على الوجه الحقيقي؛ ولا تعرف معنى الكفر بالطاغوت؛ ولكنها تلتزم ببعض شرائع الإسلام على الإجمال.

أما على التفصيل فهي تبغض أهل التوحيد، وتمقتهم، وترى منهم الخطأ في الأمور التي تخالف عاداتها، وشهواتها، وهواها، وما تعارفت عليه؛ حيث يعتقد هؤلاء أن كل شيء خلاف ما تعارفوا عليه هو خطأ؛ لأن في ذهنهم أن كل ما تعارفوا عليه هو الصواب وهو الدين، ولو كان هو عين الخطأ والصواب مع من يعتقدونه مخطئًا، فهم لا يأخذون بالدليل الذي يرد به عليهم ولا يلتفتون إليه، ولا يرعوون من غيهم، أو يرجعون عن باطلهم؛ لأنهم يرون الدين الحق هو ما تظاهر به المنتسبون إليه من عامة الناس، ولو كان هؤلاء العامة مع قاداتهم من علماء السوء وحكام الضلال منحرفين عن الإسلام الصحيح. فهم يصرحون في بعض الأحايين بالبغض والعداوة لأهل الحق، ويصفونهم بأوصاف الكفر والضلال جهلًا أو نفاقًا، ويحرصون على تتبع عوراتهم، والوقوع في عثراتهم، والتجسس عليهم لحساب أهل الكفر والضلال.

فأجاب - رحمه الله - بكفر هؤلاء وخروجهم عن الإسلام؛ لعدة أسباب هي:

أولًا: أنهم لم يكلفوا أنفسهم في معرفة الإسلام، ولم يستسلموا لله وينقادوا له في كل أمر أو نهي.

ثانيًا: أنهم عادوا أهل الحق، وأبغضوهم، وخطأوا طريقهم، ورأوا الدين هو ما عليه أكثر المنتسبين إليه من الناس الذين لا علم لديهم ولا عمل) [5] .

"بل عليهم- أي عوام المسلمين - أن يؤمنوا بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - إيمانًا عامًا مجملًا، ويعملوا بذلك، وإذا اشتبه عليهم الأمر لجأوا إلى أهل الذكر فسألوهم عما لا يعلمون. أما إذا لم يوجد مع الجاهل، الأصل الذي يدخل به الإنسان في عداد المسلمين فهو كافر؛ وكفره هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه، فلا هو علمه، ولا تعلمه، ولا عمل به. فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر، ومن كان ظاهره العصيان فهو عاصٍ" [6] .

"ولو قلنا بعدم تكفير الجاهل مطلقًا، لكان لازم هذا أن لا نكفر جهلة اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم من أهل الأوثان؛ لجهلهم بأحكام الإسلام، وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، وإن كان كفر بعض هؤلاء مبنيًا على الجهل بأحكام الإسلام ..."

(1) سيأتي الحديث لاحقًا عن عارض الإكراه وشروط التقية وضوابطهما.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج2 ص579.

(3) (( ) المقصود لم يعلم أن هذا الفعل كفر، ولكن لابد من تحقق القصد إلى فعل الكفر، وإن لم يقصد لازمه وهو الكفر؛ فمثلًا من ألقى المصحف في القاذورات، وهو لا يعلم أنه المصحف، بل كتاب الجغرافيا، فهذا لم يقصد إلقاء المصحف ولكن من علم أنه المصحف وقصد إلقاءه، ولكنه لا يعلم أن هذا الفعل كفر، فهذا هو محل الكلام.

(4) تيسير العزيز الحميد ص554 - 555.

(5) الدرر السنية ج8 ص232.

(6) الدرر السنية ج8 ص 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت