الصفحة 36 من 86

ولم يتوقف في هذا الحكم إلا من دخلته شبهة الجهمية؛ فظن أن حكم الكفر هنا يتعلق فقط بالاستحلال القلبي، وليس مجرد تحقق الفعل المكفر، ثم اضطربوا اضطرابًا شديدًا في تعريف الاستحلال الذي يتوقف عليه الكفر: هل هو محبة الكفر؟ أو الرضى به؟ أو اعتقاد جواز فعله؟ وهل يمكن أن يتحقق ذلك دون أن يكون هناك بالمقابل تكذيب بالحق؟ وما الفرق إذن بين هذا الكلام وكلام الجهمية الذين قصروا الكفر على التكذيب فقط؟ ثم ما حكم من استحل الفعل المكفر ولم يفعله؟ ألا يكفر من استحل الفعل المكفر حتى وإن لم يفعله بمجرد هذا الاستحلال؟ وما قيمة الفعل الظاهر إذن؟ ولماذا نهى الشارع عن الأفعال وأناط بها حكم الكفر، إذا كانت - على قولهم - لا قيمة لها ثبوتًا وعدمًا.

ولقد أخطأ هؤلاء خطأ بينًا في عدم تفريقهم بين نوعين أو جنسين من المعاصي: جنس معصية الشرك الأكبر أو الكفر المخرج من الملة بمجرده؛ وجنس معصية ما دون ذلك، مما قد يعتري المؤمن من شهوة عارضة، أو نزوة طارئة تدفعه إلى ترك واجب أو ارتكاب محرم، مما لا يعتبر بمجرده عملًا مخرجًا من الملة؛ إلا أن يصاحبه تكذيب أو استحلال ظاهرًا أو باطنًا.

فأهل السنة لا يكفرون أحدًا من مدعي الإسلام بذنب دون الشرك، ولا يخرجونه من دائرة الإسلام بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب، ما لم يستبح لنفسه أو لغيره فعل المحرم، أو تحريم المباح [1] .

وأما الخوارج ومن سار على دربهم، فلم يفرقوا - شأنهم شأن هؤلاء المرجئة - بين معصية الشرك وما دون ذلك من معاص؛ فكفروا أهل القبلة بمطلق المعاصي، وبكل ذنب. فقالوا بأن مرتكب الذنب، أو المصر عليه؛ كالزنا، أو شرب الخمر، أو الربا - كافر مرتد، خارج عن الدين بالكلية مخلد في النار [2] .

فسقطوا بذلك في نقيض قول هؤلاء المرجئة الذين لا يكفرون من أهل القبلة أحدًا بأي ذنب، حتى الشرك الأكبر والكفر الأكبر المخرج من الملة.

وأما أهل السنة والجماعة فلا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله. فهم لا يكفرون بمطلق المعصية؛ وإنما فقط بمعصية الشرك أو الكفر الأكبر المخرج من الملة.

وفي ذلك يقول شارح الطحاوية:"فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدًا؛ فتنفي التكفير نفيًا عامًا! مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، بالكتاب والسنة والإجماع؛ وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنه؛ وهم يتظاهرون بالشهادتين ..."

ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج. وفرقٌ بين النفي العام ونفي العموم.

والواجب هو نفي العموم، مناقضةً لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب ... فإنهم يقولون: نكفر المسلم بكل ذنب، أو بكل ذنب كبير، وكذلك المعتزلة الذين يقولون: يحبط إيمانه كله بالكبيرة، فلا يبقى معه شيء من الإيمان .. وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار.

إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج ... ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة"أ هـ [3] ."

ويقول صاحب معارج القبول:"ولا نكفر بالمعاصي التي قدمنا ذكرها وأنها لا توجب كفرًا، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك، ولا تستلزمه، ولا تنافي اعتقاد القلب وعمله ... إلا مع استحلاله لما جنى ... وهو أن عامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها؛ بل يكفر بمجرد اعتقاده بتحليل ما حرم الله ورسوله ولو لم يعمل به"أهـ [4] .

والاستحلال عند أهل السنة لا يؤول فقط إلى التكذيب - كما يفهمه الجهمية ومن تأثر بهم - بل قد يجتمع التصديق والاستحلال - عند أهل السنة والجماعة - حيث يتعلق الاستحلال هنا بضعف عمل القلب من المحبة والتوقير والانقياد لما أوجبه الله، والنفرة والكراهية لما حرمه الله.

(1) الدرر السنية ج1 ص288.

(2) معارج القبول ج2 ص343.

(3) شرح العقيدة الطحاوية ص 355 - 362.

(4) معارج القبول ج2 ص 357 - 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت