الصفحة 45 من 86

ولقد يعرض هنا تساؤلان:

1 -التساؤل الأول: هل يمكن شرعًا وعقلًا أن يتحقق التولي بالفعل دون التولي بالقلب؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يتولى المرء الكافرين وهو في نفس الوقت لا يوادهم بقلبه، ولا يميل إليهم بباطنه، ولا يرضى عن دينهم؟

2 -التساؤل الثاني: أن بعض المفسرين قد فسروا الموالاة المخرجة من الملة بأنها (الموالاة على الدين) ؛ فكيف يمكن أن يحدث ذلك بالفعل الظاهر، بينما يكون القلب غير محب لهم، وغير راضٍ عن دينهم؟

هل يمكن أن يتحقق تولي الكافرين بالظاهر فقط دون الباطن؟

أما عن التساؤل الأول فنقول: كما ذكرنا سابقًا، فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة لا يتحقق إلا بتحقق عنصرين: عنصر التصديق والعلم والمعرفة، وعنصر الانقياد والخضوع والاستسلام، وما يتبعه من المحبة والتعظيم والتوقير.

وعنصر التصديق كما ينتقض بالتكذيب، فكذلك ينتقض بمجرد ضعف اليقين، والوقوع في الشك والتردد. وأيضًا فعنصر الانقياد كما ينتقض بالعناد والاستكبار، فينتقض أيضًا بمجرد ضعف الاستسلام والمحبة والتوقير والتعظيم، لله ولرسوله ولدينه، عن القدر اللازم للبقاء في دائرة هذا الدين.

فالإيمان له جانبان: سلبي - إن جاز التعبير - وهو الكفر بالطاغوت، وإيجابي وهو الإيمان بالله. وكما ينتقض الإيمان في جانبه السلبي - بعدم الكفر بالطاغوت على وجهه الحقيقي - فكذلك ينتقض في جانبه الإيجابي - بعدم الإيمان بالله على وجهه الحقيقي.

إن ضعف عمل القلب، من الاستسلام والتعظيم والتوقير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد يحبط عمل صاحبه وهو لا يدري؛ بل قد يحدث هذا لمجرد أنه رفع صوته فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم -! فكيف بمن وقف في صفوف أعدائه، يقاتل معهم ضد دينه وأوليائه؟!

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] .

يقول ابن كثير - رحمه الله: (أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده؛ خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري. كما جاء في الصحيح"إن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله تعالى، لا يلقى لها بالًا، يكتب له بها الجنة؛ وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، لا يلقى لها بالًا، يهوى بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض"رواه مسلم) أ هـ [1] .

ويقول ابن حزم - رحمه الله: (فهذا نص جلي وخطاب للمؤمنين، بأن إيمانهم قد يبطل جملة؛ وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ دون جحد كان منهم أصلًا، ولو كان منهم جحد لشعروا به، والله تعالى أخبرنا بأن ذلك يكون وهم لا يشعرون) أ هـ [2] .

ولقد ذكرنا أيضًا أن من منهج أهل السنة والجماعة الحكم على الباطن بمقتضى الظاهر، وعدم تعليق الحكم الظاهر أو تقييده بباطن لا يمكن الوقوف عليه - كما ذهب إلى ذلك المرجئة ومن وافقهم - بل أهل السنة يحكمون على الباطن بالاستقامة إذا كان الظاهر كذلك؛ وعلى الباطن بالفساد إذا كان الظاهر كذلك؛ وهذا عندهم هو الأصل العام، وكلى الشريعة، وعمدة التكليف.

وهذا ما دفع المفسرين إلى القول بأن من تولى الكافرين بظاهره فقد فسد باطنه حتمًا - تبعًا لقاعدة أهل السنة في تلازم الباطن بالظاهر -؛ إذ إن منطق الأشياء يقرر بوضوح أن من وقف في صفوف اليهود والنصارى، يقاتل المسلمين فقد رضي عن أولئك وعن دينهم، وسخط على هؤلاء ودينهم؛ وهذا من باب الحكم بالأعم الغالب.

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] .

(1) مختصر تفسير ابن كثير ج3 ص359.

(2) الفصل ج3 ص220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت