قال ابن عباس - رضي الله عنهما: (هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك) أهـ [1] . وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .
يقول ابن جرير الطبري - رحمه الله: (من تولى اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم، أي من أهل دينهم وملتهم؛ فإنه لا يتولى متولٍ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ؛ وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه) أ هـ [2] .
ولكننا نقرر كذلك انه لا يلزم ممن يتولى الكافرين بأفعاله - لكي يكون كافرًا مثلهم - لا يلزمه أن يكون محبًا لهم أو راضيًا عن دينهم؛ فإن باب الرضى والمحبة هنا ليس هو الباب الوحيد لفساد الباطن؛ فحقائق الشرع وبدهيات العقل تأبى ذلك؛ فإن تولى الكافرين قد يتحقق دون تحقق الرضا القلبي، بل على العكس قد يتحقق مع وجود الكراهية. ويكون فساد الباطن هنا من باب ضعف الانقياد ورقة الدين، وتغليب حب النفس والمصلحة الشخصية والشهوات والمكاسب الدنيوية العاجلة - على محبة الله ورسوله ودينه وجنته، إلى الدرجة التي تجعل صاحبها يتولى الكافرين، ويبيع دينه بعرض من الدنيا؛ فيكون بذلك كافرًا مرتدًا خارجًا عن ولاية الله وحزبه، داخلًا في ولاية الشيطان وحزبه.
تمامًا كما أنه بالمقابل لا يلزم ممن يتولى الكافرين بقلبه - لكي يكون كافرًا مثلهم - لا يلزمه أن يظهر ذلك بأفعاله؛ بل مجرد ميل قلبه إليهم ومحبتهم والرضا بدينهم [3] كافٍ بمجرده لكي يكون منافقًا نفاقًا أكبر مخرجًا من الملة؛ حتى وإن خالفهم بظاهره، وظل في الصف الإسلامي [4] .
فلقد يمنع المرء من الانتماء إلى حزب الرحمن موانع أخرى كثيرة؛ منها مثلًا الكبر .. أو استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، واللصوق بالشهوات واللذائذ .. أو الحسد .. أو سلب الهيمنة والولاء؛ وهذا أمر يختص"بالملأ"؛ أي السادة والطواغيت الذين يستعبدون الناس، حيث يتقدم الناس لهم بالإجلال والتعظيم، والرغبة والرهبة، والخوف والرجاء. فإذا جاء دين الله وشرعه الذي يحرر الناس من عبودية العبيد إلى عبادة الواحد القهار؛ فإن"الملأ"يثورون، ويعادون دعاة الخير؛ لأنهم يشعرون حينئذ أن سلطانهم قد سلب، وأن شرفهم قد زال، وأن الناس لم يعودوا يخشونهم أو يرهبونهم؛ لأن دين الله قد حررهم وأعزهم وعبدهم لله؛ فخوفهم من الله، ووجلهم لله، وولاؤهم لله، وبغضهم في الله.
فأولياء الرحمن إذن (يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاءً كاملًا، ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة؛ ويتبرأون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين؛ ويعادونهم عداوة وبغضًا كاملين) لا يدفعهم إلى ذلك هوى شخصي أو مصلحة ذاتية؛ وإنما حبًا لله ورسوله ودينه.
(1) تفسير القرطبي ج8 ص94.
(2) تفسير الطبري ج6 ص 277.
(3) (( ) بمعنى أن قلبه لا ينكر عليهم دينهم ولا يبغضه، وإن لم يعتقده.
(4) هناك حالة أخرى من النفاق الأكبر المخرج من الملة، وصف الله - عز وجل - أصحابها في سورة النساء بقوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 143] ، فهؤلاء ولاؤهم لأنفسهم فقط؛ فهو معطل لا إلى حزب الله ولا إلى حزب الشيطان، ومنهم من يميل أحيانًا إلى هؤلاء وأحيانًا إلى هؤلاء. يقول عنهم القرطبي: (فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر) أهـ (تفسير القرطبي ج5 ص272) . ويقول ابن كثير: (فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا. بل ظواهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك؛ فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك) أ هـ (مختصر ابن كثير ج1 ص450) .