إن تهاون بعض المسلمين في واجب الموالاة والمعاداة في الله ليس نتيجة لجهلهم بحكم موالاة المؤمنين، أو معاداة الكافرين؛ إنما الباعث الحقيقي على ذلك هو تقاعسهم عن تأدية الواجب الشرعي في ذلك؛ حيث تكون مصالحهم أو أهواؤهم متعارضة مع أوامر الله في الموالاة أو المعاداة. كما هو الحال في واقع معظم الناس اليوم، الذين يحبون للدنيا، ويبغضون للهوى، بعيدًا عن مجال الحب في الله والبغض فيه.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] .
"قال بعض المفسرين: إن من يتول الكفار منكم أيها المسلمون؛ فيرتد بالموالاة لهم، فليعلم أن الله تعالى يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه."
وقال الحسن: علم الله تعالى أن قومًا يرجعون عن الإسلام بعد دخولهم فيه؛ بسبب موالاتهم للكفار؛ فأخبر هؤلاء بأنه - سبحانه وتعالى - غنيٌ عنهم، وأنهم لن يضيروا الإسلام شيئًا بنكولهم عنه؛ حيث إنه تعالى سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين؛ وأن هؤلاء بردتهم تلك لن يضروا سوى أنفسهم؛ بحرمانها من منهج الحق والصواب.
{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي يظهرون الغلظة والترفع على من كفر بالله؛ قد اجتمعت هممهم، وانعقدت عزائمهم، على معاداة أهل الكفر وحربهم، وبذلوا كل جهد يحصل به الانتصار عليهم" [1] ."
قال الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 106 - 107] .
(فحكم الله تعالى لا يبدل؛ على أن من رجع عن دينه إلى الكفر فهو كافر؛ سواءً كان الدافع لذلك الخوف على نفس أو مال أو أهل من الكفار؛ وسواء كان كفره في الباطن أم بالظاهر دون الباطن؛ وسواءً كان كفره بمقالة أو بفعالة، أو بهما معًا؛ وسواءً كان طامعًا من المشركين بمال أو جاه أو شهوة أو شهرة؛ فهو كافر على كل حال من تلك الأحوال جميعًا.
ما عدا صورة واحدة؛ وهي ما إذا أكره على قول كلمة الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، جاز له موافقتهم في الظاهر على ذلك [2] . أما إن وافقهم في الباطن فهو كافر مثلهم ولو ادعى الإكراه؛ لأن الباطن لا سلطان لأحد عليه من الناس) [3] .
"وقد يعلم الإنسان أن الشيء يضره ويفعله؛ ويعلم أن هذا الشيء ينفعه؛ ويتركه؛ لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى، أو دفع ألم آخر" [4] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغير كره؛ بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله - فهو كافر باطنًا وظاهرًا؛ وأن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله، وإنما هو كافر في الظاهر - فإنه قال قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين ...
فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه. فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته. فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيمانًا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب.
(1) مجموعة التوحيد ص 115.
(2) أي بالقول فقط. يقول الطبري: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلا أن تكونوا في سلطانهم؛ فتخافوهم على أنفسكم؛ فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا العداوة: ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل) أ هـ (تفسير الطبري ج3 ص228) .
(3) الموالاة والمعادة ص 95.
(4) الموالاة والمعاداة ص 339.