وأيضًا، فإن الله سبحانه قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] . وقال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256] . فتبين أن الطاغوت يؤمن به ويكفر به.
ومعلوم أن مجرد التصديق بوجوده وما هو عليه من الصفات يشترك فيه المؤمن والكافر؛ فإن الأصنام والشيطان والسحر يشترك في العلم بحالها المؤمن والكافر.
وقد قال الله تعالى في السحر: {حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} إلى قوله {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} [البقرة: 102] . فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون؛ يعلمون أنه لا خلاق لهم في الآخرة، ومع هذا فيكفرون!
وكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت، إذا كان عالمًا بما يحصل بالسحر من التفريق بين المرء وزوجه ونحو ذلك من الجبت؛ وكان عالمًا بأحوال الشيطان والأصنام وما يحصل بها من الفتنة - لم يكن مؤمنًا بها مع العلم بأحوالها [1] .
ومعلوم أنه لم يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان، وأنها تفعل ما تشاء، ونحو ذلك من خصائص الربوبية؛ ولكن كانوا يعتقدون أنه يحصل بعبادتها لهم نوع من المطالب؛ كما كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام وتخبرهم بأمور وكما يوجد مثل ذلك في هذه الأزمان في الأصنام التي يعبدها أهل الهند والصين والترك وغيرهم.
وكان كفرهم بها [2] : الخضوع لها، والدعاء، والعبادة، واتخاذها وسيلة، ونحو ذلك؛ لا مجرد التصديق بما يكون عند ذلك من الآثار؛ فإن هذا يعلمه العالم من المؤمنين ويصدق بوجوده، لكنه يعلم ما يترتب على ذلك من الضرر في الدنيا والآخرة فيبغضه؛ والكافر قد يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر.
يبين ذلك قوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ} [النحل: 106 - 109] .
فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه، وذكر وعيده في الآخرة ثم قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} ، وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا. ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض. وهؤلاء - أي الجهمية - يقولون إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم!
وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة؛ والله - سبحانه وتعالى - جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران. واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة؛ وبأنه ماله في الآخرة من خلاق.
وأيضًا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره؛ لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر، إلا في حال الإكراه.
وقوله تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا"أ هـ [3] .
(1) أي لم يكن مؤمنًا بها بمجرد العلم بأحوالها؛ بل بأمر زائد على هذا؛ فالشخص قد يعلم بأحوالها ولكنه يكون كافرًا بها، كالعالم من المؤمنين.
(2) (( ) أي بسببها.
(3) مجموع الفتاوى ج7 ص557، 560.