الصفحة 50 من 86

ويقول ابن تيمية - رحمه الله: (ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلًا بالحق، حتى قالوا: هو لا يعرف أن الله موجود حق. والكفر عندهم ليس هو الجهل بأي حق كان، بل الجهل بهذا الحق المعين.

ونحن والناس كلهم يرون خلقًا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان؛ إما معاداة أهلهم، وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق، ودينهم باطل.

وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق؛ يوجد من يعرف بقلبه أنها حق، وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله؛ لظنه أن ذلك يجلب له منفعة، ويدفع عنه مضرة.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 51 - 53] .

والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم؛ للخوف الذي في قلوبهم؛ لا لاعتقادهم أن محمدًا كاذب واليهود والنصارى صادقون) أ هـ [1] .

(وأشهر النقول في ذلك أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله، إن لي موالي من اليهود، وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود. فقال عبد الله بن أبي لكني رجل أخاف الدوائر، ولا أبرأ من ولاية يهود. فنزلت هذه الآية) [2] أ هـ.

(1) مجموع الفتاوى ج7 ص 193، 194.

(2) مجموع الفتاوى ج7 ص 193، 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت