فهرس الكتاب
وأما عن التساؤل الثاني فنقول: لقد أجبنا تقريبًا عن شطر مهم من هذا التساؤل، من خلال إجابتنا عن التساؤل الأول. ويبقى أن نتعرف على مقصد هؤلاء المفسرين من تعبير (الموالاة على الدين) ؛ وهل هناك فرق بين معنى الموالاة على الدين وبين معنى (التولي) المخرج من الملة؟
نقرر ابتداءً وكما سبق أن ذكرنا، أنه لا يمكن أن يقوم الولاء القلبي بين المسلم والكافر، ويبقى المسلم على دينه لحظة واحدة. بل إنه لا يدخل المرء في الإسلام أصلًا وابتداءً إلا إذا قطع هذا الولاء، وكفر بالطاغوت ودينه وأوليائه.
فلا مجال إذن للموالاة في باب العقيدة بين المسلم والكافر؛ حيث لا يوجد بينهما أي أساس مشترك في هذا الباب. إذن فمجال التحذير في النصوص الشرعية عن موالاة الكافرين هو مجال التناصر والتحالف والمظاهرة، ولا تعلق له بمعنى الإتباع لهم على دينهم. وهذا أمر في غاية الظهور، من استقراء النصوص، والتعرف على أسباب النزول، وكلام المفسرين والعلماء.
ما المقصود إذن بتعبير (الموالاة على الدين) ؟
لقد فرق العلماء بين مناطين أو صورتين من صور ولاية الكافرين:
* الصورة الأولى [1] :
جماعة المسلمين ترفع راية التوحيد (لا إله إلا الله) ، تنصر دين الله، وتنافح عن حرماته، وتقاتل على شريعته، وتجاهد وتحارب في سبيله.
وفي المعسكر المقابل جماعة الكافرين ترفع راية الشرك والضلال، (راية الصليب والتثليث مثلًا، أو راية اليهود نجمة داود كما يزعمون؛ أو راية الشيوعية البغيضة؛ أو العلمانية الفاجرة؛ أو راية الوثنية المنتنة) .
ثم بدأت المعركة، وتميزت الرايات: جماعة المسلمين تقاتل في سبيل الله ودينه؛ وجماعة الكافرين تقاتل في سبيل الطاغوت ودينه. أي أن كل جماعة تقاتل الجماعة الأخرى (على دينها) .
ثم جاء رجل يزعم الإسلام، فدخل مختارًا في جماعة الكافرين، مدافعًا عنهم، معينًا لهم بالمال أو البدن أو الرأي، مكثرًا لسوادهم، داعمًا لصفهم، مقاتلًا معهم.
هل يشك مؤمن - بل عاقل - أن هذا الرجل بفعله هذا قد صار منهم، كافرًا مثلهم حتى إن صام وصلى وزعم أنه مسلم، أيًا كانت دوافعه: دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، أو مصلحة يحققها، أو منصبًا يصبو إليه، أو مالًا يخشى هلاكه، أو جاهًا يخشى ذهابه؟ وهل يشك مؤمن - بل عاقل - أن هذا الرجل بفعله هذا قد صار من أولياء الشيطان، عضوًا في حزبه، مهما زعم هو - صادقًا أو كاذبًا - كراهيته له، وعدم رضاه عن دينه وأوليائه؟
هذه هي الصورة التي أطلق عليها بعض العلماء (الموالاة على الدين) ؛ وهي الصورة التي لا خلاف عند علماء أهل السنة على أنها (تولٍ) للكافرين تخرج بصاحبها عن الملة الإسلامية. ولم يشك في ذلك إلا من دخلته شبهة الجهمية؛ فظن أن لا كفر إلا بالتكذيب فقط، وأن الكفر لا يقع بالأعمال الظاهرة قط إلا أن يصاحب ذلك تكذيب قلبي لله أو لرسوله، أو الرضى بدين الكافرين والدخول فيه!
وهذه الصورة - الموالاة على الدين - هي الصورة التي كانت متحققة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ عندما صار الجميع حربًا على الرسول ومن معه من المؤمنين؛ وكان قتال الكافرين للمؤمنين (لأجل الدين) ، وكان القرآن الكريم يتنزل على مقتضى هذا الواقع.
يقول صاحب المنار قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} . علم مما سبق أن المراد بالولاية: ولاية التناصر والمحالفة، وقيده بعضهم بكونها على المؤمنين .. وهو أن يوالي أفراد أو جماعات من المسلمين أولئك اليهود والنصارى المعادين للنبي والمؤمنين، ويعاهدونهم على التناصر من دون المؤمنين، رجاء أن يحتاجوا إلى نصرهم، إذا خذل المسلمون وغلبوا على أمرهم ..
قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله. وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًا من دون الله ورسوله - فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان ... أهـ.
(1) (( ) انظر الصورة الثانية ص118.