الصفحة 52 من 86

أما قوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فهو استئناف بياني سيق لتعليل النهي كما قالوا .. فصار الجميع حربًا للرسول ومن معه من المؤمنين ..

وأما قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إلخ؛ فهو وعيد لمن يخالف النهي؛ أي ومن ينصرهم ويستنصر بهم من دون المؤمنين - وهم إلب واحد عليكم - فإنه في الحقيقة منهم لا منكم؛ لأنه معهم عليكم، ولا يعقل أن يقع ذلك من مؤمن صادق. فهو (إما) موافق لمن والاهم في عقيدتهم؛ (أو) في عداوتهم لمن والاهم عليهم. وعلى كلتا الحالتين يكون حكمه حكمهم ..

وبنى على ذلك؛ عد أهل العلم من الصحابة والتابعين (كابن عباس والحسن) بني تغلب من النصارى لموالاتهم لهم؛ وأجازوا أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم - وهم مشركون - لعدهم من النصارى. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - بعد أمره بأكل ذبائحهم وزواج نسائهم، وتلاوة الآية: (لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم) .

وقد قيد ابن جرير الولاية بكونها (لأجل الدين) ، كما كانت الحال في ذلك العصر؛ إذ قام المشركون وأهل الكتاب يعادون المسلمين ويقاتلونهم (لأجل دينهم) .

وقد تقع الموالاة والمحالفة والمناصرة بين المختلفين في الدين لمصالح دنيوية. إذا حالف المسلمون أمة غير مسلمة على أمة مثلها لاتفاق مصلحة المسلمين مع مصلحتها فهذه المحالفة لا تدخل في عموم كلامه؛ لأنه اشترط أن يكون ذلك لمقاومة المسلمين) أ هـ [1] .

ويقول صاحب الظلال عن نفس الآيات من سورة المائدة: (ويحسن أن نبين أولًا معنى الولاية التي ينهي الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى .. إنما تعني التناصر والتحالف معهم. ولا تتعلق بمعنى إتباعهم في دينهم.

فبعيد جدًا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى إتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو ولاء التحالف والتناصر.

وهذا المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية. وقد جاء في صدد الكلام عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام.

فقال الله سبحانه: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} .. وطبيعي أن المقصود هنا ليس الولاية في الدين؛ فالمسلم ولي المسلم في الدين على كل حال. إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون؛ فهي التي لا تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم .. وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال ..

فإنه إذا كان اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض؛ فإنه لا يتولاهم إلا من هو منهم. والفرد الذي يتولاهم من الصف المسلم، يخلع نفسه من الصف ويخلع عن نفسه صفة هذا الصف (الإسلام) ، وينضم إلى الصف الآخر. لأن هذه هي النتيجة الطبيعية الواقعية: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} .

وكان ظالمًا لنفسه ولدين الله وللجماعة المسلمة .. وبسبب من ظلمه هذا يدخله الله في زمرة اليهود والنصارى الذين أعطاهم ولاءه. ولا يهديه إلى الحق ولا يرده إلى الصف المسلم: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ..

لقد كان هذا تحذيرًا عنيفًا للجماعة المسلمة في المدينة، ولكنه تحذير ليس مبالغًا فيه؛ فهو عنيف، نعم؛ ولكنه يمثل الحقيقة الواقعة. فما يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى - وبعضهم أولياء بعض - ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم، الذي يتولى الله ورسوله والذين آمنوا .. فهذا مفرق الطريق) أ هـ [2] .

(فهذا العمل، وهذا الموقف كفر، يقاتل عليه من فعله؛ لأن صاحبه عرف الحق فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه؛ مع إنه قد لا يبغض دين الله، ولا رسوله، ولا المؤمنين؛ ولا يمدح الشرك أو يزينه للناس؛ ولكنه مقبل على الكافرين بفعله، مدبر عن المؤمنين.

(1) تفسير المنار ج6 ص425، 431. يقول ابن العربي: (إن الآية تفيد نفي اتخاذ الأولياء من الكفار جميعًا) أ هـ. (أحكام القرآن ج2 ص630) . ويقول حذيفة - رضي الله عنه: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر - لهذه الآية أ هـ (مجموعة التوحيد ص115) .

(2) الظلال ج6 ص909، 911.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت