وأما إذا ضاقت عليه السبل، وأكرهه أعداء الله على إيذاء المؤمنين، وجب عليه شرعًا الامتناع عن ذلك، خصوصًا في مسألة القتل؛ إذ لا يجوز له أن يحول الظلم عن نفسه إلى غيره من إخوانه المؤمنين. وأما ما دون القتل، فعليه دفع أعظم المفسدتين بتحمل أدناهما في حق نفسه وحق إخوانه المؤمنين ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
إن جهاد الكفار المحاربين والمرتدين داخل بلاد المسلمين - من غير أهل العهد والذمة - أولى وألزم من جهاد الكفار خارج بلاد المسلمين. وإذا كان قتال الكفار المحاربين خارج بلاد المسلمين واجبًا، فما بالك بالكفار المحاربين داخل بلاد المسلمين؛ سواءً كانوا كفارًا بالأصالة: كاليهود والنصارى، أو بالردة والموالاة لهؤلاء: كالذين يتولون اليهود والنصارى والعلمانيين؛ فهؤلاء كفار مثلهم؛ ومن يتول الكفار فحكمه الكفر، سواءً كان هؤلاء الكفار خارج بلاد المسلمين أو داخلها.
إن الذين يتولون اليهود أو النصارى، أو العلمانيين، أو البعثيين، أو الوثنيين، أو نحوهم من الكفار؛ فيناصرونهم بالقول والعمل أو بأحدهما - ليسوا من أهل الإسلام وإن زعموا ذلك. وموالاة الكفار - خصوصًا المحاربين لله ورسوله - داخل بلاد المسلمين أكبر إثمًا، وأعظم جرمًا، وأشد ضررًا على الإسلام والمسلمين من موالاتهم خارج بلاد المسلمين؛ وإن كان كل الأمرين موجبًا للخروج من الإسلام.
إن الأنظمة التي تمنح التصاريح للبنوك الربوية في كل مدينة وقرية وكل منعطف وشارع؛ أو لبيوت الدعارة، أو محلات الخمور، أو صالات القمار، أو لأجهزة الإعلام والثقافة المنحلة - هذه الأنظمة موالية أصلًا لأعداء الله، محاربة لله ورسوله والمؤمنين؛ وإن نافقت - تبجحًا وخسة - وادعت أنها أنظمة إسلامية!! إن النظم الإسلامية حقًا هي التي تقف عند حدود الله؛ فلا تحل حرامًا، ولا تحرم حلالًا، ولا تحاكم الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم لغير شرع الله الحكيم.
ولو كانت هناك دولة إسلامية حقًا لما سمحت بانتشار تلك الردة الأخلاقية في بلاد المسلمين، ولو كانت هناك جماهير مسلمة حقًا توالي وتعادي على دين الله، لما رضيت بتلك الردة، ولما استكانت بذلة وهوان تحت أقدام المتسلطين من الكفرة الصرحاء والمنافقين العملاء. وإن ما تعج به بلاد المسلمين من تفسخ وعري وتهتك ومجون لشاهد على موالاة السلطات في هذه البلاد للكفار، بما في ذلك الموالاة الأخلاقية الفاجرة التي جعلت المسلم يعيش في بلاده كأنه في بلاد الكفار من اليهود والنصارى والوثنيين وغيرهم، لما يرى من مظاهر الكفر التي يندى لها جبين كل مسلم غيور.
ولقد أثبت الواقع التاريخي أن البلاد الإسلامية التي بقيت فيها أقليات غير مسلمة، أو التي دخلها الاستعمار الغربي مبكرًا قد سبقت غيرها من بلاد المسلمين إلى الفساد، وكانت أشد تأثرًا بذلك؛ وهو أمر مشاهد ومعلوم؛ يثبت أن كثرة الفساد تكثر حيث يكثر الكفار، ويكثر اختلاط المسلمين بهم ولقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قبل سبعة قرون: (لقد رأينا المسلمين الذين عاشروا اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن عاشوا مع المسلمين الخالصين من الشرك) أهـ. فكيف لو رأى ما وصلت إليه أحوال المسلمين اليوم من فساد وردة وانحلال؟ بل لقد وصل الأمر إلى أن نصدر نحن بأنفسنا أبناءنا إليهم لإفسادهم، كما يصدرون لنا الماشية من الأنعام؛ ونستقدم الكفار كاستقدامنا لبقية السلع الاستهلاكية سواء بسواء؛ فضاع الأبناء في الخارج، وقضى الوافدون من الكفار على معظم البقية الباقية منهم في الداخل.
لو كانت هذه الأنظمة لا توالي الكافرين لما بذرت أموال المسلمين على شكل إعانات وتبرعات - وقروض ربوية أحيانًا - ولما دفعت هذه التبرعات السخية لمن يحارب الله ورسوله والذين آمنوا؛ بينما أكثر الشعوب الإسلامية تعيش على تبرعات غير المسلمين من شدة فقرها وحاجتها. فهل يكون أعداء الإسلام أرحم بفقراء المسلمين من أغنياء المسلمين أنفسهم؟! وهل يؤثر أغنياء المسلمين بصدقاتهم وتبرعاتهم أغنياء الكفار على فقراء المسلمين؟!
إن الذين يؤثرون الكفار على المسلمين قد باعوا دينهم وآخرتهم بدنيا غيرهم؛ من أجل أن يرضوا أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المؤمنين؛ وتلك غاية الموالاة للكفار؛ بل تلك غاية الخيانة والذلة والنذالة التي لا يقدم عليها إلا من لا خلق له ولا دين.