4)ذكر في [ص: 200] الفقرة الأولى: (وعدم كفر تارك أعمال الجوارح مبسوط في كتب العقائد ولم يرمي أهل السنة بالإرجاء إلا الخوارج، كما قال العلامة أبو الفضل السكسكي الحنبلي في كتابه"البرهان") ، ثم علق على كلام السكسكي قائلًا: (فسبحان الله الذي قاله السكسكي في الأجداد تبعهم في زماننا الأحفاد) .
قلت: السكسكي وكتابه"البرهان"، معدود في مقالات الفرق، وكتابه ليس من كتب أهل السنة والجماعة.
وأنظر ما قاله أستاذ العقيدة في الجامعة الإسلامبة أ. د. محمد التميمي في كتابه"مقدمات في علم مقالات الفرق"، من منشورات جمعية الشريعة في الكلية، ذكر الكتب المؤلفة في هذا العلم وأصحابها، وذكر كتاب"البرهان"للسكسكي، ثم قال: (والملاحظ على هذه المؤلفات أن جلها لاتحمل عقيدة أهل السنة والجماعة فإذا ما إستثنينا كتاب الملطي وأبي محمد اليمني وأبو الحسن الأشعري - على ما عليه من ملاحظات - نجد باقي الكتب تمثل تيارًا مخالفًا بل إنه في بعض الأحيان شديد المخالفة كالإعتزال والرفض) [3] .
قلت: إضافة إلى ذلك فإن السكسكي لم يكن حنبليًا، بل فقيهًا شافعيًا وقاضي شافعي عاش في اليمن، ولم تذكر أنه حنبلي إلا مخطوطات في"الكونفرس"! [33] ، وكان كثير المخالطة لأهل الذمة فاُتُهِم، ولولا إلتجاءه لأمير يدعى"الطنبما"لقُتِل [34] .
والذي يظهر لي أنه لم يطلع على كتاب"البرهان"، فأخذ هذا الكلام من بعض البحوث دون عزوه، ليوهم القارئ بإستكثاره وأنه مطلع على مقالات الفرق، وإلا فكل طالب علم يطلع على كتب الفرق يعرف مخالفتها لكتب أهل السنة والجماعة، إلا إذا كان له مراد آخر.
5)استشهد بكلام البيهقي على ما ذهب إليه في [ص: 202] ، فقال في آخره: (فإنتبه - عفى الله عنك - إلى القسم الثاني وما يترتب على تركه) .
قلت: أنتبه أنت، فإن شؤم المعصية - السرقة - قد فضحك، فالبيهقي رحمه الله كان أشعريًا.
قال عنه شيخ الإسلام بن تيمية: (كان من فضلاء الأشاعرة) [35] ، ومن أطلع على كتاب البيهقي"الأسماء والصفات"عَلِمَ ذلك) [36] .
فهل رجع صاحب البحث إلى ذلك؟ لا أظن ذلك، أم أنه إلتقطها من بعض البحوث دون عزوها ليستكثر بها كما فعل بغيرها ... ففضحته.
6)ثم انظر في الصفحة [رقم: 202] تعليقة على ابن مندة، قال: (أن المسلم إذا جاء بقول اللسان وهي الشهادتان، وقول القلب وهو التصديق، وعمل القلب وهو الخضوع والحب والخوف والتعظيم، لزم هذا المسلم إسم الإسلام والدخول فيه، ثم ربط كمال الإيمان بأداء الفرائض وإجتناب المحارم) اهـ.
قلت: هذا صريح قول الأشاعرة، وأنظر"جوهرة التوحيد"للبيجوري في كلامه على الأعمال هي شرط في صحة الإيمان أم لا؟
قال البيجوري: (وهذا شرط كمال على المختار عند أهل السنة، فمن أتى بالعمل، فقد حصل الكمال، ومن تركة فهو مؤمن، لكن فوت على نفسه الكمال) [37] .
وقول البيجوري: (عند أهل السنة) ، أي الأشاعرة كما يسمون أنفسهم، لتعلم ان صاحب المقال الأصلي [38] حاطب ليل ...
والكلام الذي ذكره فهمه هو لكلام ابن منده، وأنظر كلام ابن منده رحمه الله في [صفحة: 201] من البحث، قال: (وقال أهل الجماعة، الإيمان هو الطاعات كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح) ، ثم قال: (فأصله المعرفة بالله والتصديق له ... ) ، إلى أن قال: ( ... فقد دخل في الإيمان ولزمه إسمه وأحكامه) اهـ. كلام ابن منده.
قلت: ففهم كلام ابن منده أن الإيمان المعرفة والتصديق ... وأن أعمال الجوارح خارجه عنه، ولم يفهم كلام ابن منده: (دخل في الإيمان ولزمه إسمه وأحكامه) ، قلت: أي أن العمل الظاهر لازم لمسمى الإيمان - وهذا معنى قوله: لزمه أسمه وأحكامه - والتحقيق أنه تارة يدخل في الإسم وتارة يكون لازمًا للمسمى، بحسب إفراد الإسم واقترانه، فإذا قرن الإيمان بالإسلام، كان مسمى الإسلام خارجًا عنه كما في حديث جبريل، وإن كان لازمًا له.
وأنظر كلام ابن تيمية في مناقشة العمل الظاهر، هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن أو لازم لمسمى الإيمان [4] .
وقال شيخ الإسلام: (وأما ما في القلب من تصديق ومعرفة وحب وخشية ورجاء فهذا باطن، لكن له لوازم قد تدل عليه، واللازم لا يدل إلا إذا كان ملزومًا، فلهذا كان من لوازمه ما يفعله المؤمن والمنافق) [39] .