ولهذا قال أنس رضي الله عنه - وكان ممن أدرك ظهور المرجئة: (هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة آتو الزكاة فخلوا سبيلهم} ... ) ، إلى أن قال: (وتوبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة إيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فإخوانكم في الدين} ) [9] .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: (ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتاله مانعي الزكاة على هذه الآية وأمثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال ... وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... الحديث") .
قلت: وقد إنعقد إجماع السلف على أن مانعي الزكاة مرتدين، وقاتلوهم قتال سائر المرتدين - كمن إدعى النبوة - دون تفريق في شيء من أحكام القتل، وشهد لهذا فقهاء السلف.
كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله، قال: (والمصدق لهذا، جهاد أبي بكر رضي الله عنه بالمهاجرين والانصار على منع الزكاة، كجهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك سواء، لا فرق بينهما في سفك الدماء وسبي النساء وإغتنام المال، فإنما كانوا مانعين غير جاحدين) [10] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والصحابة لم يقولوا أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها - أي الزكاة - هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل قال الصديق رضي الله عنه لعمر: والله لو منعوني عقالًا أو عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها، فسيرة الخلفاء فيهم جميعًا سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم والشهادة على قتلاهم بالنار وسموهم جميعًا أهل الردة) [11] .
(3) أي المرجئة اللذين يخرجون عمل الجوارح من الإيمان، وتبعهم في ذلك مرجئة العصر.
(4) أي ليستا من الإيمان، والمراد أنهم يقولون: أن الإقرار بالصلاة والزكاة هو وحده الإيمان دون العمل، كما جاء في آخر القصة حين قال الراوي لنافع: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي، وبإن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح قال: فَنَتَرَ يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر.
(5) رواها بسنده عن ابن أبي حاتم، في مناقب الشافعي، ونقلها شيخ الإسلام في الإيمان: ص196.
(6) أنظر السنة: 104/ 105، وتهذيب الآثار مختصرًا: 7/ 73.
(7) أنظر:"أخلاق العلماء"للآجري، ص22.
(8) وأنظر عن إستدلال السلف بها ما نقله السيوطي عنها في الدر المنثور، والفتح: 1/ 50.
(9) رواه الطبري: 10/ 71.
(10) أنظر: الإيمان للقاسم بن سلام، ص57، من مجموع الرسائل الأربعة التي حققها العلامة الألباني.
(11) أنظر: الدرر السنبة: 8/ 35، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم.