وهو ما زاد عن أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات، وضابط ما يدخل في الإيمان الواجب - سواءً فعلًا أو تركًا - أن كل عمل ورد في تركه وعيد ولم يكفر تاركه ففعله من الإيمان الواجب - مثل الصدق والأمانة وبر الوالدين والجهاد - وكل عمل ورد في فعله وعيد ولم يكفر فاعله فتركه من الإيمان الواجب - مثل الزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والكذب والغيبة والنميمة -
والناس في الإيمان الواجب على درجتين:
-الدرجة الأولى: المقصرون فيه بترك واجب أو فعل محرم - بعد إتيانهم بأصل الإيمان - فهؤلاء هم أصحاب الكبائر أو المخلطون من أهل التوحيد أو عصاه الموحدين أو الفاسق المِّلي أي أنه مع فسقه لم يخرج من الملة، وهذه درجة: {ومنهم ظالم لنفسه} [26] ، فمن كان هذه حاله فهو من أهل الوعيد إن مات بلا توبة، ولكنه في المشيئة، فإن شاء الله عفى عنه وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يخرجه الله من النار ويدخله الجنة بما معه من أصل الإيمان كما دلت عليه النصوص المذكورة أعلاه.
أما الدليل على أنه في المشيئة؛ فقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .
فالمذنبون من أهل التوحيد؛ مغفرة ذنوبهم معلقة على مشيئة الرحمن، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ..."إلى أن قال:"... ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفى عنه وإن شاء عاقبة" [27] ، ويستثنى من تكفير الذنب بالعقوبة وكونه في المشيئة: المرتد المشار إليه في الحديث بقوله:"ألا تشركوا بالله شيئًا"، فإذا قُتِلَ على الردة لم تكن العقوبة كفارةً له، وإذا مات مرتدًا لم يكن في المشيئة لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} ، سواءً عوقب على ردته أو لم يعاقب.
-الدرجة الثانية: الذين أدوا الإيمان الواجب بتمامه ولم يقصروا فيه ولم يزيدوا عليه - بعد إتيانهم بأصل الإيمان - فهذا هو المؤمن المستحق للوعد السالم من الوعيد، أي أنه يستحق دخول الجنة إبتداءً بلا سابق عذاب بفضل الله ورحمته حسب وعده الصادق، وهذه هي درجة المقتصدين؛ {ومنهم مقتصد} .
وفي هؤلاء أيضًا حديث:"أفلح إن صدق"، فيمن سأل عن شرائع الإسلام، فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق" [28] ، فأداء الفرائض بلا تطوع هذه صفة الإيمان الواجب وقد بشره الرسول صلى الله عليه وسلم بالفلاح وبدخول الجنة على ذلك.
3)المرتبة الثالثة؛ الإيمان المستحب:
وهو ما زاد عن الإيمان الواجب من المندوبات والمستحبات وترك المكروهات والمستقبحات، فمن أتى بهذا مع أصل الإيمان والإيمان الواجب فهو من السابقين المحسنين، الذين يستحقون دخول الجنة إبتداءً في درجة أعلى من المقتصدين، وهي درجة؛ {ومنهم سابق في الخيرات بإذن الله} .
قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا * فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق في الخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} ، وهذه هي مراتب الإيمان الثلاثة ...
وقال ابن تيمية عن الإيمان:"هو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة" [29] .
ولو قال:"لا يوجد بدونه"لكان أفضل من قوله:"لا يتم بدونه"، لأن الإيمان لا يتم بأصله فقط، بل بمراتبه الثلاثة والتي يسمى مجموعها الإيمان الكامل، كما قال ابن تيمية نفسه:"وهو جميع ما أمر الله به"، فهذا هو الإيمان الكامل التام) اهـ كلام الشيخ الدكتور عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله.
قلت:
وبهذا تنتظم المراتب الثلاثة بحديث شعب الإيمان التي أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
تنبيه:
أخي في الله؛ قد يأتي لك بعض مرجئة العصر فيقولون بنفس تقسيم السلف في الإيمان إلى ثلاث مراتب أو أنهم يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان.
فإعلم أنهم يوافقون أهل السنة في التقسيم فقط، ثم عندما تناقشهم يتبين لك أنهم يجعلون جميع أعمال الجوارح من المرتبة الثانية - الإيمان الواجب - ولا يكفرون من ترك أعمال الجوارح بالكلية ويحصرون الكفر في القلب والإعتقاد فقط!