فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 27

والتخطيط؟.

اعلم بعد ذلك كله، أن لا تنافي بين القيام بملة إبراهيم والأخذ بأسباب السرية والكتمان في العمل الجاد لنصرة الدين .. وكلامنا هذا كله لا يرد هذا السبب العظيم الذي كان يأخذ به النبي صلى الله عليه وسلم والأدلة عليه من سيرته أكثر من أن تحصى .. ولكن الذي يقال: إن هذه السرية يجب أن توضع في مكانها الحقيقي .. وهي سرية التخطيط والإعداد، اما ملة إبراهيم والكفر بالطواغيت ومناهجهم وآلهتهم الباطلة فهذه لا تدخل في السرية بل من علنية الدعوة فينبغي إعلانها منذ أول الطريق كما بينا سابقًا، وعلى ذلك يُحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) .. الحديث. رواه مسلم وغيره .. أما إخفاؤها وكتمها مداهنة للطواغيت، وتغلغلًا في صفوفهم وارتقاء في مناصبهم .. فليس من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. بل هو من هدي وسرية أصحاب التنظيمات الأرضية الذين يجب أن يقال لهم أيضًا: {لكم دينكم ولي دين} .. وخلاصة الأمر أنها: سرية في الإعداد والتخطيط علنية في الدعوة والتبليغ.

وإنما قلنا ذلك لأن كثيرًا من الناس سواء من المرجفين أو ممن لم يفهموا دعوة الأنبياء حق الفهم، يقولون عن جهل منهم إن هذه الطريق التي تدعون إليها تكشفنا وتفضح تخطيطاتنا وتعجّل بالقضاء على الدعوة وثمراتها ..

فيقال لهم أولًا: إن هذه الثمرات المزعومة لن تينع ولن يبدو صلاحها حتى يكون الغراس على منهاج النبوة، وواقع هذه الدعوات العصرية أكبر دليل وشاهد على ذلك بعد الأدلة الشرعية المتقدمة من ملّة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .. حيث إن ما نعانيه اليوم من جهل أبناء المسلمين والتباس الحق عليهم بالباطل، وعدم وضوح مواقف الولاء والبراء، إنما هو من سكوت وكتمان العلماء والدعاة لهذا الحق ولو أنهم صرحوا وصدعوا به وابتلوا كما هو حال الأنبياء لظهر وبان للناس جميعًا، ولتمحص وتميز بذلك أهل الحق من أهل الباطل ولبلغت رسالات الله ولزال التلبيس الحاصل على الناس خاصة في الأمور المهمة والخطيرة في هذا الزمان، وكما قيل: (إذا تكلم العالم تقية والجاهل بجهله فمتى يظهر الحق) . وإذا لم يظهر دين الله وتوحيده العملي والاعتقادي للناس .. فأي ثمار تلك التي ينتظرها ويرجوها هؤلاء الدعاة؟.

أهي (الدولة الإسلامية) ؟ إن إظهار توحيد الله الحق للناس وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد هي الغاية العظمى والمقصود الأهم وإن نكّل بالدعوات وإن ابتلي الدعاة ..

وهل يظهر الدين إلا بالمدافعة والبلاء: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] ، فبذلك يكون إعلاء دين الله وإنقاذ الناس وإخراجهم من الشرك باختلاف صوره، وهذه هي الغاية التي يكون من أجلها البلاء وتنحر على عتباتها التضحيات .. وما الدولة الإسلامية أصلًا إلا وسيلة من وسائل هذه الغاية العظمى .. وفي قصة أصحاب الأخدود عبرة لأولي الألباب فإن ذلك الغلام الداعية الصادق ما أقام دولة ولا صولة ولكنّه أظهر توحيد الله أيما إظهار، ونصر الدين الحق نصرًا مؤزرًا ونال الشهادة، وما قيمة الحياة بعد ذلك، وما وزن القتل والحرق والتعذيب إذا فاز الداعية بالفوز الأكبر .. كانت الدولة أم لم تكن .. وإن حُرِّق المؤمنين وإن خُدَّت لهم الأخاديد فإنهم منتصرون لأن كلمة الله هي الظاهرة والعليا .. أضف إلى ذلك أن الشهادة طريقهم والجنة نزلهم .. فأنعم بذلك أنعم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت