ولتعلم أخيرًا أن الناس مع هذا الحق أقسام:
-رجل ثابت صادع بملة إبراهيم وبدين جميع المرسلين على النحو الذي تقدم لا
يخاف في الله لومة لائم، فهذا من الطائفة الظاهرة المنصورة وهو الداعي إلى الحق الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، وهو الذي يفوز بكرامة الدارين. وإنما حصل له الأذى لأنه جاء بمثل ما جاء به المرسلون ..
لا يداهن أهل الباطل ولا يركن إليهم أو يرضى بباطلهم بل يتبرأ منهم ويظهر العداوة لهم ويهجر كل ما يعينهم على باطلهم من منصب ووظيفة أو عمل أو طريق، ومن كانت هذه حاله لا يأثم بإقامته في مجتمعاتهم وديارهم ولا تجب عليه الهجرة من أي بلد كان.
يقول الشيخ حمد بن عتيق في الدرر السنية عند كلامه على قوله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ... } [الممتحنة: 4] الآية، ومعنى قوله: {بدا} أي ظهر وبان والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن يوحد ربّه، فمن حقق ذلك علمًا وعملًا وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان.
وهذا القسم من الناس إذا صدع بالحق وهُدّد بالقتل والتعذيب وليس ثَمّ بلد يهاجر إليها فله أسوة حسنة في أهل الكهف الذين شحّوا بدينهم وفرّوا به إلى الجبال .. وأسوة أخرى بأصحاب الأخدود الذين حرقوا في سبيل عقيدتهم وتوحيدهم وما وهنوا وما استكانوا .. وأسوة بأصحاب النبي الذين هاجروا وجاهدوا وقاتلوا وقتلوا وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.
-أو رجل أقل منزلة من الأول لا يقدر على هذه الطريق المحفوفة بالمكاره، ويخاف على دينه ولا يطيق الصدع بذلك .. فهو يعتزل بغنيمات له يتبع بهن مواقع القطر وشعب الجبال يعبد الله ويفر بدينه من الفتن ..
-أو رجل مستضعف مغلق عليه بيته مقبل على خاصة أمره يسعى في نجاتهم ووقايتهم من الشرك وأهله ومن نار وقودها الناس والحجارة .. يتجنب الكفار ويعرض عنهم، ولا يظهر الرضى عن باطلهم ولا يؤيده بأي صورة من الصور .. ولا بد لهذا من أجل سلامة توحيده. أن يبقى قلبه مطمئنًا بالعداوة والبغضاء للشرك والمشركين ينتظر زوال المانع .. ويتحين الفرص للفرار بدينه والهجرة إلى بلد أهون شرًا .. يظهر بها دينه، كهجرة المهاجرين إلى الحبشة.