فقد بيّن الله عز وجل لنا هذه المخطّطات، وكشف لنا تلك الألاعيب، وحذّرنا منها .. وأعطانا الحل والعلاج .. وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، فقال مباشرة قبل قوله: {ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] ، قال: {فلا تطعْ المكذّبين} [القلم: 8] .
لا تطعهم .. ولا تركن إليهم، ولا تقبل أنصاف حلولهم .. فإن ربك قد أعطاك الدين الحق، ودلّك على الصراط المستقيم، وهداك إلى ملة إبراهيم ..
ومثل ذلك تمامًا، قوله تعالى في سورة الإنسان وهي مكية أيضًا: {إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلًا فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا} [الإنسان: 24] .
وفي ذكر القرآن وامتنان الله عز وجل على نبيه بتنزيله عليه، قبل النهي عن طاعة الكفار الآثمين، بيان لطريق الدعوة الصحيح ..
فإن هذه الطريق لا يختارها الدعاة من عند أنفسهم، وليس لهم أن يرسموها أو يحددوا معالمها كما يهوون أو يتخيرون .. وإنما هي ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين المذكورة المفصلة في هذا القرآن.
ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الفرقان وهي مكية أيضًا: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} [الفرقان: 52] ، {وجاهدهم به} أي بالقرآن الكريم ..
فلا تعدل لمنهج وأسلوب وطريق للدعوة سوى الطريق التي أمرت بها في القرآن .. وأنذرهم بهذا القرآن.
ولا تتبع غيره من الطرائق المعوجة الملتوية التي فيها طاعة للكفار، أو سكوت عن بعض باطلهم ..
ومثله أيضًا قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أمره بتلاوة كتابه [1] بقليل: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا * وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. } [الكهف: 28 - 29] والآيات مكية.
ومثله قوله تعالى في سورة الشورى وهي أيضًا مكية، بعدما ذكر ما شرعه لنا وللنبيين من قبل، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ..: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم .. } [الشورى: 15] ، وأمره سبحانه لنبيه بعد ذلك بقليل أن يقول للكافرين: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} [الشورى: 15] .. براءة واضحة منهم ومن أهوائهم ومناهجهم وطرائقهم المنحرفة ..
ومثله أيضًا قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الجاثية وهي مكية أيضًا:
{ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين}
[الجاثية: 18 - 19] .
وهكذا فلو تتبعنا آيات القرآن، لوجدنا عشرات بل مئات الآيات الدالة على هذه المعاني المهمة .. فالله عز وجل لم يخلق عباده عبثًا .. ولم يتركهم هملًا .. أفلا يكفي الدعاة وضوح هذا المنهج واستقامته .. ؟؟ أوَ لا يسعهم ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيين من قبله .. ؟؟ أما آن لهم أن يستيقظوا من الغفلات؟؟ ويقوّموا الإنحرافات .. أوَما كفاهم سقوطًا في ألاعيب الطغاة .. وكتمانًا للحق .. وتلبيسًا على الناس .. ومضْيعة للجهود والأعمار .. ؟؟ فإنه والله اختيار واحد ..
"إما شريعة الله، وإما أهواء الذين لا يعلمون ..."
وليس هناك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة، والأهواء المتقلبة ..
(1) ومن معاني التلاوة: الاتباع، من تلا الشيء، أي تبعه ..
ولا شك أن تلاوة كتاب الله عز وجل، بقراءته وتعلمه والتمسك به واتباع أوامره من أعظم أسباب الثبات على هذه الطريق كما تقدم، ويلتحق بذلك دوام ذكر الله عز وجل ومراقبته وقيام الليل .. كما قال تعالى بعد الآية المتقدمة من سورة الإنسان مباشرة: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلًا طويلًا} [الإنسان: 25] .