فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 27

س10: ألا من طريقٍ سوى هذا لا تحفه هذه الابتلاءات والمكاره؟.

اعلم ثبّتنا الله وإيّاك على صراطه المستقيم أن هذه البراءة والعداوة التي تقتضي ملة إبراهيم إعلانها وإبداءها لأهل الكفر ومعبوداتهم، تكلف الكثير الكثير ..

فلا يظن ظان أن هذه الطريق مفروشة بالورد والرياحين أو محفوفة بالراحة والدعة، بل هي والله محفوفة بالمكاره والابتلاءات .. ولكن ختامها مسك وروح وريحان ورب غير غضبان .. ونحن لا نتمنى البلاء لأنفسنا ولا للمسلمين، ولكن البلاء هو سنة الله عز وجل في هذه الطريق، ليميز به الخبيث من الطيب، فهي الطريق التي لا ترضي أصحاب الهوى والسلطان لأنها مصادمة صريحة لواقعهم، وبراءة واضحة من معبوداتهم وشركياتهم .. أما غير هذه الطريق، فإنك تجد أصحابها في الغالب مترفين وللدنيا راكنين، لا يبدو عليهم أثر البلاء، لأن المرء إنما يبتلى على قدر دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل .. وأتباع ملة إبراهيم من أشد الناس بلاء لأنهم يتبعون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله .. كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي .. ) رواه البخاري .. فإن رأيت في زماننا من يزعم أنه يدعو لمثل ما كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم وبمثل طريقته، ويدعي أنه على منهجه، ولا يعادى من أهل الباطل والسلطان، بل هو مطمئن مرتاح بين ظهرانيهم .. فانظر في حاله .. إما أن يكون ضالًا عن الطريق .. لم يأت بمثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم واتخذ سبلًا معوجة .. أو يكون كاذبًا في دعواه يتزيا بما ليس هو أهلًا أن يتزيّا به، إما لهوى مطاع وإعجاب كل ذي رأي برأيه .. أو لدنيا يصيبها كأن يكون جاسوسًا وعينًا لأصحاب السلطان على أهل الدين .. وهذا الذي قاله ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان مقررًا في نفوس الصحابة عندما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، حيث وقف أسعد بن زرارة يذكرهم ويقول: (رويدًا يا أهل يثرب، إن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة، أو قتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله) رواه الإمام أحمد والبيهقي.

فتأمل هذا جيدًا فإننا في أمس الحاجة إليه في هذه الأيام التي تلبس فيها كل من هبّ ودبّ بلباس الدعوة والدعاة .. فارجع إلى نفسك وزنها، واعرض عليها هذا الطريق وحاسبها على تقصيرها في ذلك، فإما أن تكون من قوم يصبرون على ذلك فخذها بحقها واسأل الله عز وجل أن يثبتك على ما يعقبها من بلاء .. أو إنك من قوم يخافون من أنفسهم خيفة ولا ترى من نفسك القدرة على القيام والصدع بهذه الملة فذر عنك التزيي بزي الدعاة وأغلق عليك بيتك وأقبل على خاصة أمرك ودع عنك أمر العامة .. أو اعتزل في شعب من الشعاب بغنيمات لك .. فإنه والله كما قال أسعد بن زرارة أعذر لك عند الله، نعم إن ذلك أعذر لك عند الله من أن تضحك على نفسك وعلى الناس إذ لا تقوى على القيام بملة إبراهيم فتتصدر للدعوة بطرق معوجة وتهتدي بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم مجاملًا مداهنًا للطواغيت كاتمًا غير مظهر للعداوة لهم، ولا لباطلهم .. فوالله ثم والله، إن الذي يعتزل في شعب من الشعاب بغنيمات لهو خير وأهدى سبيلًا منك ساعتئذ ..

نعم .. إن ملة إبراهيم تكلف الكثير .. ولكن بها يتعلق نصر الله والفوز الكبير .. وبها يتميز الناس إلى فريقين .. فريق إيمان، وفريق كفر وفسوق وعصيان .. وبها يتضح أولياء الرحمن من أولياء الشيطان .. وهكذا كانت دعوة الأنبياء والمرسلين .. لم تكن عندهم هذه الأوضاع المرضية التي نعيشها اليوم من اختلاط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، ومداهنة ومجالسة أهل اللحى لأهل الفسق والفجور وإكرامهم وتقديرهم وتقديمهم على أهل التقى والصلاح .. رغم إظهار أولئك بغض الدين وعداوته بصور شتى وتربصهم بأهله الدوائر .. بل كانت دعواتهم براءة واضحة من أقوامهم المعرضين عن شرع الله، وعداوة ظاهرة لمعبوداتهم الباطلة، لا التقاء في وسط الطريق ولا مداهنة ولا مجاملة في تبليغ شرع الله ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت