فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 27

واستمع إلى نوح في عمق الزمان، وهو يخاطب قومه وحيدًا لا يخشى سلطانهم ولا طغيانهم .. يقول: {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم أقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس: 71] .

وهل يقول مثل ذلك رجل مداهن لقومه ... إنه كما يقول سيد قطب رحمه الله: (التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالىء يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليُغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه، فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟ ... ) اهـ. كان معه الله، وكفى بالله هاديًا ونصيرا ... وقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في مطلع هذه الآيات أن يتلو ذلك على قومه، فقال: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ... } [يونس: 71] .

وانظر إلى هود صلى الله عليه وسلم وهو يواجه قومه الذين كانوا أشد الناس قوة وأعتاهم بطشًا، يواجههم وحده .. ولكن بثبات كثبات الجبال أو أشد .. استمع إليه وهو يعلن براءته واضحة جلية من شركياتهم ويسمعهم كلماته الخالدة: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه، فكيدون جميعًا ثم لا تنظرون} [هود: 55] . يقول لهم ذلك وهو رجل واحد ... كيدوني بعددكم وجيشكم وآلهتكم الباطلة .. {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] .

وإلى الذين يتشدقون بكثير من كلام سيد رحمه الله تعالى، في الوقت الذي يحرصون بل يتسابقون فيه على استجداء الطواغيت المعرضين عن شرع الله من أجل أن يحكموا شرع الله في بعض القضايا، أو كي يمنحوهم إذنًا للدعوة إلى الله أو من أجل الحصول على مقاعد في مجالس الشرك والفسوق والعصيان ... إلى هؤلاء نسوق كلام سيد حول هذه الآيات .. حيث يقول: (إنها انتفاضة التبرّؤ من القوم وقد كان منهم وكان أخاهم وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقًا .. وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان .. وهو يشهد الله ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم. ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم، كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم!.

وإن الإنسان ليدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة، فيسفّه عقيدتهم ويقرعهم عليها، ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي، لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريّثون فيفثأ غضبهم. إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وزمان بحاجة إلى أن يقفوا طويلًا أمام هذا (الموقف) الباهر .. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا القليل، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم .. فهم العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة، والذين أبطرتهم النعمة، والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود ... إنه الإيمان والثقة والاطمئنان .. الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره .. {إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] .. وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرًا .. فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها؟ وهي لا تسلط عليه إن سلطت إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟) اهـ مختصرًًا من الظلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت