فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 27

هكذا كانت أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، مع أقوامهم المعاندين .. وهكذا كانت دعوتهم، صراع دائم مع الباطل، ووضوح في الدعوة، وإعلان للعداوة والبراءة .. ولم تعرف دعواتهم المداهنة أو الرضى عن بعض الباطل أو الالتقاء معه في وسط الطريق. فمعاداة أهل الحق للباطل وأهله ومفارقتهم لهم قضية قديمة جدًا افترضها الله منذ أن أهبط آدم صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأرض .. وشاءها الله قدرًا وشرعًا ليتميز أولياؤه من أعدائه وحزبه من حربه والخبيث من الطيّب ويتخذ من المؤمنمين شهداء .. فقال جلّ وعلا: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} [الأعراف: 24] ، وعلى هذا مضت وسارت قافلة الرسل جميعًا وهذا هو دينهم كما عرفت، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 112] ، وقال سبحانه: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين} [الفرقان: 31] ، فمنهم من قص الله علينا قصصهم مع أعدائهم ومنهم من لم يقصص ... ويؤيد هذا أيضًا حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ... والأنبياء أولاد علاّت .. ) والعلة هي الضرة مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى: وكأن الزوج قد علّ منها بعد ما كان ناهلًا من الأخرى. وأولاد العلات أولاد الضرات من رجل واحد .. يؤيد أن الأنبياء أصل دينهم ودعوتهم وطريقهم واحد وفروعهم مختلفة.

وهكذا كان خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي جاء في وصفه أنه"فرق بين الناس"رواه البخاري، وفي رواية:"فرّق بين الناس". فقد استجاب لأمر الله تعالى باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فما سكت عن الشرك وأهله أو داهنهم أو جاملهم أو غير ذلك .. بل كان في مكة على قلة اتباعه. واستضعافهم يعلن براءته من الكفار ومعبوداتهم الباطلة .. ويسفهها ويقول كما أمره الله تعالى أن يقول متبرءًا من الشرك ومصرحًا بكفر أهله وبراءتهم من دينه وبراءة دينه منهم:

{قل يا أيّها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 1 - 6] . ويصرح لهم بأنه ثابت على طريقته هذه بريء ممن خالفها وأنه من المؤمنين الذين هم أعداء لهم ولدينهم: {قل يا أيّها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تدعون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين} [يونس: 104] . ويقول تعالى مخاطبًا له: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} ] يونس: 41 [، ويقول سبحانه معلمًا المؤمنين أن يقولوا: {الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} [الشورى: 15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت