لا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة .. ويوم تتم هذه المفاصلة يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه والتدمير على أعدائه ..
ففي تاريخ الدعوة إلى الله على مدار التاريخ، لم يفصل الله بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة، فاختاروا الله وحده .. وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله ... وإنه لينبغي لهم أن تمتلىء قلوبهم بالثقة حتى تفيض .. وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده في وجه الطاغوت أيًا كان .. ولن يضرهم الطاغوت إلا أذى .. ابتلاء من الله لا عجزًا منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركًا لهم ليسلمهم إلى أعدائه، ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف ..
ثم تعود الكرّة للمؤمنين .. ويحق وعد الله لهم بالنصر والتمكين ..."اهـ. من الظلال بتصرف."
ولن يستطيع العبد مواجهة الشرك وأهله ولن يقوى على التبرؤ منهم وإظهار العداوة لباطلهم إلا بعبادة الله حق عبادته، ولقد أمر الله عز وجل نبيه محمداُ صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن وقيام الليل في مكة وأعلمه بأن ذلك هو الزاد الذي يعينه على تحمل أعباء الدعوة الثقيلة وذلك قبل قوله: إنا سنلقي عليك قولًا
ثقيلاُ {] المزمل: 5 [فقال:} يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاُ، نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا ] المزمل: 1 - 4 [، فقام صلوات الله وسمه عليه وقام معه أصحابه حتى تفطرت أقدامهم .. إلى أن أنزل سبحانه التخفيف في آخر الآيات.
وإن هذا القيام بتلاوة آيات الله عز وجل وتدبر كلامه .. لخير زاد ومعين للداعي يثبته ويعينه على مشاق الدعوة وعقباتها .. وإن الذين يظنون أنفسهم قادرين على تحمل الدعوة العظيمة بأعبائها الثقيلة بدون إخلاص العبادة لله عز وجل وبدون إطالة ذكره وتسبيحه لمخطئون وواهمون .. وإن ساروا خطوات فلن يستطيعوا مواصلة الطريق الصحيح المستقيم بغير زاد .. وإن خير الزاد التقوى ..
ولقد وصف الله عز وجل أصحاب هذه الدعوة والذين أمر نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يصبر نفسه معهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وبأنهم قليلًا من الليل ما يهجعون .. وتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا .. ويخافون من ربهم يومًا عبوسًا قمطريرًا .. وغير ذلك من الصفات التي لا يصلح لهذه الدعوة وتحمل أعبائها إلا من اتصف بها، جعلنا الله تعالى وإياك منهم فتنبه!!.