الصفحة 4 من 24

وكم هو الفرق بين تلك الأمة التي انتقلت من رعي الغنم إلى قيادة الأمم، وما كان السبب إلا هذا القرآن بلا ريب، فالصدر الأول من هذه الأمة"لم يكن صالحًا بالجبلة والطبع، فالرعيل الأول منهم ـ وهم الصحابة ـ كانوا في جاهلية جهلاء كبقية العرب، وإنما أصلحهم القرآن لما استمسكوا بعروته واهتدوا بهديه، ووقفوا عند حدوده، وحكموه في أنفسهم، وجعلوه ميزانًا لأهوائهم وميولهم، وأقاموا شعائره المزكية، وشرائعه العادلة في أنفسهم، وفيمن يليهم، كما أمر الله أن تقام، فبذلك أصبحوا صالحين مصلحين، سادة في غير جبرية، قادة في غير عنف" [1] .

وفي المقابل، فليتأمل المنصف حال الأمة حين هجرت هذا القرآن: تلاوةً، وتدبرًا، وعملًا، وتحاكمًا، كيف انحدرت في مهاوي الذل، ودركات الهوان!

ولن يجد الإنسان صعوبة في البرهنة على ذلك، بل يكفي أن يحيل إلى واقع العالم الإسلامي اليوم: اجتماعيًا، وثقافيًا، وسياسيًا، وعسكريًا، ليرى نتاج بعدها عن مصدر عزها الذي نص القرآن عليه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44] .

وإذا كان الفاروق - رضي الله عنه - يقول: إنما تنقض عرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية [2] ، فإن الأمر كذلك إذا نشأ في الأمة من لم يعرف معنى العزة والكرامة، ولم يذقها يومًا من دهره! ولم يعش إلا حالة الذل والهوان، فكيف سيدرك أثر القرآن في إعادة ما فقدته الأمة من العزة والكرامة؟!

(1) آثار البشير الإبراهيمي 4/ 227.

(2) مجموع الفتاوى (10/ 301) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت