الصفحة 3 من 24

لن يجد الباحث والقارئ عناءً كبيرًا إذا أراد أن يبين أثر القرآن في نهوض الأمة، إذ يكفي ليدرك المنصف ـ أيًّا كان دينه ـ أن ينظر في أحوال العرب قبل نزول هذا الوحي على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم لينظر مرةً أخرى في أحوالهم بعد مضي أقل من ربع قرن فقط، وكم هو الفرق العظيم ما بين أداء الإتاوات من قبل سادات العرب إلى أكاسرة الفرس وقياصرة الروم = وبين موقف ربعي بن عامر من رستم حين دخل عليه مبينًا حقيقة دعوة أهل الإسلام، ولا عجب! فالقرآن هو الذي نفخ فيهم تلك الروح [1] !

(1) وخلاصة قصته - رضي الله عنه: أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أراد أن يرسل جماعة من أصحابه ـ نحو تسعة نفر ـ قبيل معركة القادسية من أجل محاورة رستم، فقال ربعي بن عامر: إن الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعًا يروا أنا قد احتفلنا بهم، فلا تزدهم على رجل، فخرج ربعي ليدخل على رستم عسكره، فاحتبسه الذين على القنظرة، وأرسل إلى رستم لمجيئه، فاستشار عظماء أهل فارس، فقال: ما ترون أنباهى أم نتهاون؟ فأجمع ملؤهم على التهاون، فأظهروا الزبرجد وبسطوا البسط والنمارق، ولم يتركوا شيئا ووضع لرستم سرير الذهب، وألبس زينته، وأقبل ربعي يسير على فرس له، ومعه سيف له، وغمده لفافة ثوب خلق، ومعه قوسه ونبله، فلما غشي الملك وانتهى إليه، قالوا: ضع سلاحك! فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني! فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت، فأخبروا رستم فقال: ائذنوا له، هل هو إلا رجل واحد؟ فأقبل يتوكأ على رمحه، يقارب الخطو، ويزج النمارق والبسط، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطًا إلا أفسده وتركه منهتكًا مخرقًا، فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه! فكلمه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: إن الله ابتعثنا وجاء بنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله ..."."

القصة بتمامها في تاريخ الأمم والرسل والملوك، للطبري (2/ 401) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت