من الله، وهو مذهب قوم، أو الابتداء من الله والتتمة من الناس، وهو مذهب أبي إسحق الإسفرائيني. والمحققون متوقفون في الكل، إلا في مذهب عباد؛ ودليل فساده أن اللفظ لو دل بالذات لفهم كل واحد منهم كل اللغات لعدم اختلاف الدلالات الذاتية، واللازم باطل، فالملزوم كذلك. واحتج عباد بأنه لولا الدلالة الذاتية لكان وضع لفظ من بين الألفاظ بإزاء معنى من بين المعاني ترجيحا بلا مرجح، وهو مُحال. وجوابه أن الواضع إن كان هو الله فتخصيصه الألفاظ بالمعاني كتخصيصه العالمَ بالإيجاد في وقت من بين سائر الأوقات، وإن كان هو الناس فلعله لتعيُّن الخُطران بالبال. ودليل إمكان التوقيف احتمال خلق الله تعالى الألفاظَ بإزاء المعاني، وخلقِ علوم ضرورية في ناس بأنّ تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني. ودليل إمكان الاصطلاح أن يتولى واحد ـ أو جمع ـ وضع الألفاظ لمعان ثم يُفهموها لغيرهم بالإشارة؛ كحال الوالدات مع أطفالهن. وهذان الدليلان هما دليلا إمكان التوزيع." [1] "
لقد لفت السيوطي إلى قضية إمكان التوزيع؛ الذي يجعل اللغة تقوم على دعامتين: القدرة الإلهية من ناحية، والنشاط البشري من ناحية أخرى، وهو ما يتفق مع العلوم العصبية الحديثة، التي تبحث
عن مراكز إنتاج الكلام وتكوين المعنى داخل العقل البشري، وتفترض وجود جهاز لاكتساب اللغة
عند الإنسان Language Acquisition Device (LAD) يُنشئ اللغة في العقل إنشاءً؛ وبذلك فإن التوفيق يقتضي تمكين الخالق سبحانه الإنسانَ من التعبير بصوته [باستخدام آلة التعبير، وهي اللسان] عما يجول في نفسه:"الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان." (الرحمن: 1 - 4) .
إن الإنسانَ هو مصدر الفكر، والكلمات رموزٌ لأفكارنا؛ هي شاراتٌ حسيةٌ لها، فالكلمات لا تعني أشياءَ بقدر ما تعني أفكارا، وعلاقتها بالباطن لا بالخارج؛ بعالَم النفس لا بعالَم الطبيعة، وغاية الكلمة هي التعبير عن النفس والترويح عنها والتخفيف من لواعجها، ونقل الأفكار إلى الآخرين في نطاق الحياة الاجتماعية. فالعلاقة خاصةٌ إذن بين الكلمة والفكرة، لا بين الكلمة والشيء. [2]
(1) جلال الدين السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى وآخرون، ص 10
وما بعدها.
(2) حسن ظاظا: اللسان والإنسان .. مدخل إلى معرفة اللغة، ص 76، دار القلم، دمشق، طـ 2، 1990.