الصفحة 5 من 26

ولكن يدور جدال كبير حول المسألة؛ فإن قلنا: القرآن لم يستعمل لفظة (اللغة) بمعنى (اللسان) فهذا صواب. ولكن هل يبيح لنا هذا أن نقول: إن استعمال (اللغة) بمعنى (اللسان) لا يوجد في كلام العرب؟ الجواب: لا، لأن كثيرا من كلام العرب لا يوجد في القرآن، بل إن كثيرا من الألفاظ المتواترة

في كلام العرب لا توجد في القرآن، وقد ذكر بعضها السيوطي في المزهر. والناظر في كلام العرب يجدهم قد استعملوا (اللغة) بمعنى (اللسان) ، واستعملوا (اللسان) أيضا بمعنى (اللغة) التي هي اللهجة

في الاستعمال المعاصر. والذي يظهر للناظر أصلا أن العرب لم تكن تفرق بين (اللسان) بمعنى لغة قوم،

و (اللسان) بمعنى كلام العرب عموما؛ فعندهم لغة قريش ولغة هذيل، وأيضا لغة الحبشة ولغة السودان وغير ذلك. وكذلك يقولون: لسان قومي ولسان جُرْهم ولسان تميم ونحو ذلك، كما عندهم لسان الترك وغيره. ونفي مثل هذه الأمور صعب جدا، لأنه من القضايا الكلية السالبة. والشافعي استعمل اللغة بمعنى اللسان، وقتادة فسر اللسان باللغة، وغير هذين كثير.

وقد فسر أهل العلم قوله تعالى:"بلسان قومه"؛ أي بلسان قريش، وهذا يدل على أن اللسان عندهم يطلق على اللهجة أيضا. وبوَّب البخاري في صحيحه من كتاب فضائل القرآن (4699 باب: نزل القرآن بلسان قريش) ، ثم ذكر أثر عثمان بن عفان:"إذا اختلفتم في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم."وهذا شديد الوضوح في أن اللسان معناه اللهجة. وقوله تعالى:"واختلاف ألسنتكم"يشمل اختلاف لغات العالم، وكذلك يشمل اختلاف اللهجات، كما صرح بذلك المفسرون. فقصر معنى (اللسان) على لغات العالم فقط خطأ واضح كما يقول بذلك بعض اللسانيين في العصر الحديث.

ولكن الفريق الآخر يرى أنه يبقى من الاستقراء اللغوي والنظر في المعجم العربي أن لفظ اللسان أشمل ودلالته أوسع من لفظ اللغة، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وما دام أنه لم يستخدم اللغة بمعنى اللسان

في مضمون آياته فذلك أدعى للأخذ في الحسبان، مع مراعاة الوضع اللغوي للجزيرة العربية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت