الصفحة 7 من 17

كان الصبر أفضل، فأما إن كانت المثلة حق لله تعالى فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار ويحرم الجزع) [[1] ].

ثانيًا: ما جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه: (أن قومًا من عكل وعرينه اجتووا المدينة فأمرهم النبي بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم) [[2] ].

قال الباجي رحمه الله تعالى: (أما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالعرنيين الذين قتلوا رعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا نَعَمَه، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فقد روى سليمان التيمي عن أنس رضي الله عنه؛ أنهم كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذلك، ومثل هذا يجوز من مثَّل بمسلم أن يُُمثَّل به على سبيل القصاص) [[3] ].

يشير الإمام الباجي رحمه الله تعالى إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه بإسناده عن سليمان التيمي عن أنس رضي الله عنه قال: (إنما سَمَل النبي أعين أولئك؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرعاة) .

كما أخرجه الترمذي والبيهقي عنه أيضًا، إلا أن الرواية اقتصرت على تسميل العين، ولم يرد فيها قطع أيدي وأرجل الرعاة، وهو تمثيل زائد عن القصاص، إنما جاء ذلك عند بعض أهل المغازي على ما نقله القاضي عياض وابن حجر - وسيأتي - وجميع الروايات الواردة في القصة، والتي أخرجها الشيخان وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وعامة أصحاب السنن والمسانيد، لم تأت فيها رواية واحدة تفيد قطع أيدي وأرجل الرعاة، بل جميعها تقتصر على ذكر قتلهم للرعاة.

وعليه فإن ما رواه بعض أصحاب المغازي لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحاح الثابتة عن أهل الحديث رحمهم الله جميعًا، كما ورد عند النسائي في المجتبى عن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلبهم) [[4] ]، وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.

وقال القاضي عياض: (اختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف؛ كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة فهو منسوخ، وقيل؛ ليس منسوخًا وفيهم نزلت آية المحاربة، وإنما فعل بهم النبي ما فعل قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل

(1) الفروع (219/ 6) -الفتاوى الكبرى (545/ 5)

(2) أخرجه البخاري حديث (1430) (546/ 2) ، ومسلم حديث (1671) (1296/ 3) .

(3) المنتقى شرح الموطأ (172/ 3)

(4) حديث (4028)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت