الصفحة 43 من 74

وردت صيغة الجمع للفظة الجفنة (جِفَان) في القرآن الكريم مشبهة حجمها بالجابية (الحوض) في فضل الله تعالى على عبده ورسوله سليمان (عليه الصلاة والسلام) ، في قوله تعالي: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [1] .

والجفنة الغراء من الصفات الرفيعة والمحمودة عند العرب في جاهليتهم وإسلامهم، ويقصد بها السيد المِطعام لأنه يضع الجفنة ويطعم الناس فيها فسمي باسمها. وفي الحديث الشريف ورد: [أنه قيل له: أنت كذا، وأنت كذا، وأنت الجَفْنة الغَرّاء] ؛ والغراء، أي البيضاء، كناية عن الجفنة المملوءة باللحم والشحم والدهن [2] .كما ورد أنه كانت له - صلى الله عليه وسلم - جفنة بأربع حلق [3] . كما أطلق على الشخص الذي يتولى إطعام أصحابه خلال السفر"صاحب جفنة الركب"، ومنه حديث أبي قتادة، وفيه: [ناد يا جفنة الركب] [4] .

وهكذا نلحظ بوضوح تام ورود الإشارة للجفنة وأوصافها وصفاتها قبل ظهور الإسلام وفي العهد النبوي؛ وأنها كانت من الأواني الخشبية الشائع استخدامها بل كانت متوفرة في بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبيوت الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) [5] .

ولا يفوتنا أن المجتمع المكي في جاهليته عرف شخصيات مكية لهم جفانُ مشهورة مثل جفان عبدالله بن جدعان، وجفنة أبي جهل؛ واستمر هؤلاء الأشراف في تقديم طعامهم بالجفان في الإسلام؛ فيذكر أن صفوان بن أمية الجمحي صنع طعامًا للخليفة عمر بن الخطاب وأصحابه (رضوان الله

(1) سورة سبأ: 13.

(2) ابن الأثير، النهاية، 1: ص 271.

(3) بشير،"الطعام في الحياة الاقتصادية."، الجزيرة العربية، ك 3، 2: ص 263.

(4) ابن الأثير، النهاية، 1: ص 271.

(5) الجميل،"الآنية والأوعية."، مجلة جامعة الإمام، ص 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت