بين القواعد صناعة واللغة ملكة وسليقة، الأسلوب، الذوق الفني، صناعة الأجناس الأدبية قائمة في الألفاظ لا في المعاني، ... مس مسًا قريبًا علم الاجتماع االلغوي، الديالكتولوجيا، ...
ولذا، فإن كل ما هو ذو طابع دراسي عام أو خاص إلا وقد أشار إليه ابن خلدون فيما آثاره من أفكار، وإذا كان الرجل لم يخرج عن الاتجاهات التقليدية لدارسي الأدب العربي ونقدته ومؤرخيه في حصر الأجناس الأدبية في الفنون الشائعة منذ العصر الجاهلي، فإنه استطاع مع ذلك أن يطنب في دراسة وتحليل بنية الموشحات وأجناس أدبية شعبية أخرى جديدة سنشير إليها لاحقًا.
غير أننا كنا نتمنى من ابن خلدون، وهو الباحث العالم المتفتح والمتحرر من طابوهات الماضي والحاضر، أن يتساءل عن غياب أجناس أدبية عزف عن ترجمتها والإبداع على منوالها من تقدمه من العرب، على الرغم من أنه كان على اطلاع عليها لدى اليونان بشكل خاص، ومع ذلك، فإن الرجل معذور، لأنه
لم يكن يقصد التنظير والتأسيس بقدر ما كان هدفه الوصف والتحليل، وإلا فإن هناك علومًا كثيرة لا قبل للعرب بها، ولما ترجموها وما رسوها من الشعوب المتحضرة التي تفاعلوا معها، ذكرها ووصفها وصف العالم بها.
والذي يلفت انتباه الدارس بقوة أن الأصناف التي صنفها ابن خلدون تحت مصطلح"علوم اللسان العربي"هي عين ما نراه اليوم ونقف عليه في الدراسات اللغوية الغربية الحديثة، خلافًا للدراسات اللغوية العربية القديمة التي ظلت منحصرة في فضاء لغوي صرف، وكان ذلك أحد أسباب تقهقرها لاحقًا بعد عزتها وتطورها وتنوعها خلال نشأتها في القرون الأربعة الأولى، ونتيجة هذا كله أن الفضاء اللغوي العربي الحديث لم يشهد إلى حد الآن دراسات لسانية