الصفحة 9 من 15

إذا كان الأصل في الخبر المفرد أن يكون نكرة، فإنه يفترض في الجملة التي تكون خبرا أن تكون نكرة أيضا، غير أنها في حقيقة الأمر ليست نكرة ولا معرفة، لأن التعريف من عوارض الذات، وما يقع من الجمل نعتا لنكرة فجائز من حيث إن الجملة قابلة للتأويل بالنكرة [1] [xvi] ، وهذه الصورة التي يكون الخبر فيها جملة هي ما أطلق عليه ابن هشام اسم الجملة الكبرى، وقد تكون جملة الخبر اسمية؛ فتقوم عملية الإسناد فيها بين المبتدأ والخبر (ذات وجه) أو فعلية يكون الفعل والفاعل طرفيها الإسناديين (ذات وجهين) وتتمثل ذات الوجه في قوله [2] [xvii] (بسيط) :

في غُربةٍ أَزليَّةٍ نَحيا مَعًا ... وَحياُة وَجدٍ كُلُّهَا أَتعابُ

وذات الوجهين في قوله [3] [xviii] :

اللَّيلُ يَسكُنُ مُقلتيِْك.

وهذه الجمل التي حلت محل مفرد تم بها المعنى، فأخبرت عن المبتدأ، كما يخبر عنه المفرد، لأن الخبر هو ما يستفيده السامع ويصير مع المبتدأ كلاما، سواء كان مفردا أو جملة، ومن المعروف أن جملة الخبر لابد فيها من عائد يعود على المبتدأ، وهو في الأولى الضمير المتصل بالمبتدأ الثاني، وفي الثانية الضمير المستتر بعد فعل جملة الخبر، وقد استمد الخبر -في الجملة الأولى- قوته من كونه جملة، ويتضح ذلك عندما نقارن قول الشاعر (حياة وجد كلها أتعاب) بقولنا (حياة متعبة كلها) ، فالتعب في الجملتين ميزة الحياة بأكملها، لكن الجملة الأولى أقوى في تعبيرها عن ذلك، وهذا راجع إلى تركيبها الذي جعلت فيه لفظة (كل) ركنا إسناديا لا يجوز حذفه، مما يؤكد أكثر عدم وجود لحظة من لحظات الحياة دون تعب - في نظر الشاعر- لكنها في الجملة الثانية توكيد للمبتدأ، و التوكيد ليس ركنا إسناديا، وهذا ما يجيز حذفه من الجملة دون أن يختل التركيب أو المعنى العام، فالفرق بين كون الخبر جملة في الأولى، ومفردا في الثانية جعل الأولى تتسم بالقوة في الحكم والتأكيد على المعنى.

ويلاحظ في قوله [4] [xix] (هزج) :

دُموعُ الأَمسِ تَشرَبُنِي ... دُموعِي - الآنَ - تَسقِينِي.

أنه قد فصل بين المبتدأ وخبره، وذلك من سنن العرب التي جرت عادتها أن يعترض بين الكلام وتمامه كلام مفيد يضيف إلى المعنى التام معنى زائدا، فقوله: (دموعي - الآن- تسقيني) كلام تام قبل أن تعترض الجملة (دموعي تسقيني) لفظة (الآن) ، والغرض من هذا الاعتراض تحقيق معنى إضافي يصبو إليه الشاعر، وهو تحديد زمن الجملة، وتعيين اللحظة التي تم فيها الخبر وهو الزمن الحاضر واللحظة الراهنة، فكلمة (الآن) تقف جنبا إلى جنب مع جملة الخبر المضارعية (تسقيني) لتحديد الزمن الدقيق للجملة.

ومن أشكال هذه الصورة، الجملة التي يزيد تركيبها على الركنين الرئيسيين، كقوله [5] [xx] (بسيط) :

عَيناكِ فِي كَوْثِر الرَّحمانِ غُمِّستَا ... عَينايَ لله في عَينَيْكِ سَبَّحتَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت