الصفحة 3 من 7

وهكذا تبدو البنية الدلالية وكأنها توليف محتمل، ولكنه جامع، بين المقولات السيمية، وفي المقابل فإن الاستعمالات والانجازات الدلالية تطابق التجليات المحصورة والمميزة وفق شكل الثقافات والشخصيات. وهذا سيؤدي إلى مقاربتين متوازيتين ومختلفتين، أساس الأولى استكشاف العوالم الدلالية المحتملة المفتوحة باعتبارها إمكانات الانسان الخلاقة؛ وأساس الثانية وصف العوالم الدلالية الماضية أو الحاضرة، المحصورة والمحققة، التي تشمل مجموع أبعاد البشرية التاريخية والنمطية.

حسب تصور الشكل اللساني لدى سوسير، المقدم في صيغته اليلمسليفية المطورة، فإن كل لغة يمكن تعريفها بأنها شكل محصل عليه بتضافر مادتين مختلفتين، لكل واحد منهما شكلها الخاص: مادة التعبير ومادةالمحتوى. وإن تطبيقا متبصرا لمبدإ التناظر بين هاتين المادتين يمكننا من نقل معرفتنا لمستوى التعبير، وإدخال نوع من الوضوح والبيان في مجال الدلالة على النحو التالي]:

أ - إذا كان بإمكان مادة التعبير أن تتغير في الشكل دون إدخال تغيير في شروط الدلالة، وجب ألا نقف عند الإقرار بأن اختيار مادة معينة للدال غير ملائم لتجلي المعنى فحسب، وإنما افتراض وجود شكل معين للمادة في كل حالة، متغير ولكنه قائم بذاته، ومستقل عن الشكل اللساني، في كل الأحوال. (بالامكان النظر في وضعين مختلفين غير متناظرين للسمات المميزة الفونيمية والخطية(3) لا نجد فيهما أي رابط بين فئة من نوع ب/پ، أي مجهور/ غير مجهور وفئة م/ن، أي الميم القائمة على ثلاثة أعمدة m في مقابل النون القائمة على عمودين n).

ب - إذا تم الإقرار بوجود شكل خاص، تستقل به كل مادة مستعملة على مستوى التعبير، لزم القبول في الوقت نفسه بأن الشكل الذي سيطلق عليه سميائيات المادة يجب أن يكون مختلفا عما يمكن تسميته ب الشكل العلمي للمادة نفسها؛ فمثلا إذا كانت الكمياء، بما هي علم، تنظيما شكليا خاصا بمجال مادة ما، فإن العناصر الكمياوية هي هذه الوحدات الدنيا (أي السمات المميزة) التي ينتج عن التوليف بينها في مستوى التجلي مظهر من مظاهر ما يسمى عالم المعنى العام الذي لم نجد له لفظا مناسبا للتسمية غير هذا. فالكمياء شكل علمي يوظف تجليها السطحي في بناء الشكل السيميائي الذي يجب عليه أن يسهم في التعبير عن المعنى عبر مختلف أنماط اللغة وهو بناء يتم بوساطة تمفصل جديد.

جـ - من اليسير إبداء الملحوظات نفسها عن المادة الدلالية. فالشكل السيميائي لهذه المادة (أي البنية الدلالية) يختلف عن أشكالها العلمية الممكنة (ولو كان الأمر كذلك لأمكن اعتبار العلوم الانسانية والاجتماعية، في وضعها الحالي، أشكالا علمية) .

وقد يبدو أن تصور اللغة بكونها شكلا ينظم توارد مادتين مختلفتين ومنفصلتين في شكليهما السميائيين الخاصين، اللذين يجب عليهما أن يكونا مميزين عن الشكلين العلميين للمادتين نفسيهما، تعقيد لا طائل من ورائه. بيد أنه يبدو لنا أن هذا التصور يعين على تحديد مجال البنية الدلالية في اختزال نظرية معرفية عامة. وأكثر من هذا؛ فإنه يمكن من تعريف العلوم بأنها لغات قائمة، تجلي شكل المادة بكيفية خاصة ودقيقة. إن تصور اللغة على هذا النحو يسوغ، على سبيل المثال، الخلاف الدائر حول دور المنطق (بمختلف نماذجه) في علاقاته بعلوم الطبيعة والسميائيات. وبينما يمكن تعريف المنطق في اصطلاحنا، بأنه شكل المحتوى المستعمل للتحقق من الصياغات اللسانية للشكل العلمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت