تُهينَ الْفقيرَ ..." [1] . غير أن بعض القدماء قد توهم مجيء الساكن بعد نون التوكيد توهمًا، وفسَّرَ به حذف النون في بعض الحالات التي هي من باب الضرورة الشعرية لا أكثر ولا أقل، كقول الشاعر:"
اضْرِِبَ عَنْكَ الهُمومَ طارقها ... ، والأصل عندهم (اضْرِبَنْ) ، فحذف الشاعر النون لأنه توهم مجيء الساكن في كلمة (الهْموم) بعدها مباشرة [2] .
وهاتان القاعدتان تمنعان أن نصل إلى حالة التقاء الساكنين عند حدود الكلمات، فنحن لا نصل هنا إلى التقاء الساكنين حقيقة، بل يُمْنَع ذلك قبل حصوله. ولو حصل التقاء الساكنين هنا حقيقة لكان التخلص منه بإدخال حركة بين الساكنين، لا بحذف التنوين أو النون.
ولمّا كانت الكسرة هي الأصل في التخلص من التقاء الساكنين في هذا الضرب، وخاصة عند حدود الكلمات، راح القدماء [3] يفسّرون ذلك بأسباب وهمية واهية لم تقنع كثيرًا من المحدثين [4] .
ومن تلك الأسباب أن تحريك الساكن بالكسر من سجيّة النفس إذا لم تُسْتَكْرَهْ على حركة أخرى. ومنها أنّا لو حركنا الأفعال المجزومة إذا وليها ساكن بالضم أو الفتح لتوهم فيها أنها غير مجزومة، ولا يتوهم ذلك إذا حركت بالكسر، لأن الجرّ ليس من إعراب الأفعال. ومنها أن الجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، فإذا اضطررنا إلى تحريك الفعل الساكن الآخِر حركناه بحركة نظيرِهِ وهي الكسرة على سبيل التقاصّ. ومنها أن الكسرة لا تكون إعرابًا إلاّ ومعها التنوين، وقد تكون الضمّة والفتحة إعرابين ولا تنوين يصحبهما، فإذا اضطررنا إلى تحريك الساكن حركناه بحركة لا يتوهم أنها إعراب وهي الكسرة. وواضح ما في كلامهم من المغالطة والتمحّك والبعد عن الحقائق الصوتية.
(1) . انظر شرح المفصل 9/ 44.
(2) . انظر شرح المفصل، الموضع السابق.
(3) . انظر شرح المفصل 9/ 127؛ وشرح الشافية 2/ 235.
(4) . انظر كمال بشر، دراسات في علم اللغة، القسم الأول، ص 148 - 152.