وينكر المحدثون كذلك أن تكون حروف المد ساكنة، إذ إنها حركات والحركة لا تكون سكونًا، لأنها منافية للسكون بطبعها [1] . وهم يفسرون قول القدماء بسكونها بأنهم رأوها غير قابلة للحركة، لأنها متحركة بحركة ذاتها فأشبهت الساكن الذي لا يحرك، أو رأوها من الناحية الكمية مساوية لحركة وحرف صحيح ساكن في العروض؛ فالسبب الخفيف (لا) المؤلف من ساكن هو اللام، وحركة هي فتحة تصوروها تسبق حرف المد، ومد هو ألف- يساوي من حيث الإيقاع الكمي السبب الخفيف (لَنْ) المؤلف من ساكن هواللام وحركة هي الفتحة وساكن هو النون، ولو وضع أحدهما مكان الآخر لما حدث خلل في الوزن. وربما نسبها القدماء إلى السكون لأنهم رأوا أنها من حيث الرسم الكتابيّ غير متلوة بحركات قصيرة [2] .
ويفصل المحدثون الواو والياء اللينتين عن سائر حروف المد، ويلحقونهما من حيث النوع بالواو والياء المتحركتين، مستندين بذلك إلى فروق أساسية بين حروف المد من ناحية، والواو والياء اللينتين أو المتحركتين من ناحية أخرى. فحروف المد لا يصاحب نطقها أي احتكاك أو اعتراض لمجرى الهواء، ولا تفتتح المقاطع ولا تغلقها، ويسمى المقطع المنتهي بها مفتوحًا، ولا تكون من حروف المادة الأصلية. أما الواو والياء اللينتان أو المتحركتان فيرافق نطقهما احتكاك ما أي نوع ضعيف من الحفيف، وتفتتحان المقاطع وتغلقانها، فالواو المتحركة في (وَقَف) تفتتح مقطعًا والواو الساكنة في (مَوْقِف) تغلق مقطعًا.
والواو والياء اللينتان أو المتحركتان لا يمكن لهما أن تكونا قمة المقطع العربي أو نواته أي العنصر الحركي فيه؛ فمعلوم أنه لا بد لكل مقطع من عنصر صائت يشكل قمته أو نواته، وهو الجزء الذي يحمل أقصى التوتر فيه ويقع عليه النبر، فلا يقوم بهذه الوظيفة في العربية إلاّ حركة قصيرة أو حركة طويلة (أي
(1) . انظر كمال محمد بشر، دراسات في علم اللغة القسم الأول، ص 55 حاشية (1) وص 201؛ وأحمد الفيومي، أبحاث في علم أصوات اللغة العربية، ص 77؛ وداود عبده، دراسات في علم أصوات العربية، ص 47 حاشية (5) ؛ وأحمد عبد العظيم عبد الغني، قضايا صرفية، ص 60.
(2) . انظر كمال محمد بشر، دراسات في علم اللغة القسم الأول، ص 201 - 202؛ وتمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص 71؛ وغالب المطلبي، في الأصوات اللغوية، ص 76 - 77؛ ومحمد العلمي،"الأسباب والأوتاد والفواصل"، ص 263.