مستوى دولي. وهكذا لم نتوقف لنطرح سؤالنا الخاص، لأن مشكلتنا، قبل أن تكون توحيد المصطلح أو تقييسه - وهذا الهمُّ دولي - هي فهم ما يدل عليه أوّلا، أي العناية بمفهومه واستيعاب شبكته المفهومية ونسقه المعرفي الذي ينتمي إليه ... وهذا ما يمنحه هويته الحقيقية.
وخلاصة أخرى تحتاج إلى مزيد من تعميق البحث، ومن ثم فهي مؤقتة، هي المتعلقة بتصور الدراسات العربية لمسألة المصطلح واختزالها على صعيد المصطلح. وفي اعتقادنا أن المصطلح ليس سوى الناتج المتمخض عن تصور المفهوم، أي أنه بعبارة استعارية تلك الشجرة التي تختفي وراءها غابة كثيفة مدلهمة هي المفاهيم. فقد ورثت الدراسات الحديثة مشكلة المصطلح عن روادها في عصر الإحياء وما قبله بقليل، أي منذ أيام رفاعة رافع الطهطاوي ونحن نقول ونعيد القول ونكرره عن المصطلح مما نشأ عنه اعتقاد خاطئ من أساسه هو عجز اللغة العربية أو على الأقل الإيحاء به. ولو أننا ركزنا على ما يختفي وراء المصطلح نعني المفهوم لأدركنا المشكلة الحقيقية. ومثاله أن اللغة العربية لا تشكو من فقر المصطلح وإنما تشكو، على العكس من وفرته أو تعدده أو تضخمه أو ما شئت من الأسماء ما دام المسمى واحدا. ومن الأمثلة العينية على ذلك حال الانزياح المترجمة مرة بالعدول وأخرى بالشذوذ وتارة بالانحراف ... صحيح أن للغة التلقي دورا ما في هذا ولكن الدور الأساسي يعود إلى كيفية ونوعية إدراك كل من الاقتراحات المفهومَ الأصلي. وعلى وجه الخصوص تصور كل اقتراح لهذا المفهوم وخلفيات توجهه الأصلية وارتباطه بمستويات النص المتعددة .. وقس على ذلك. والحق أن هذا الواقع لا يخص النقد والتحليل الأدبيين وإنما يتجاوزهما إلى عدد من حقول المعرفة في العالم العربي. ولن نتجاوز ضرب مثال ثان من اللسانيات التي أحصى عبد السلام المسدي ما ينيف عن عشرين مصطلحا مقابلا للمصطلح الأجنبي. ونحن لا نرى في ذلك مشكلة مصطلحية بقدر ما نرى فيه ترجمة للتصور المقترح لهذا الحقل وإدراكه لقضاياه وقطيعته أو استمراره ... فلكل اقتراح انحيازه العلمي تارة والمذهبي تارة والثقافي تارة أخرى ... ولا تقف الحلول عند حد المفاضلة بين المصطلحات أيها الأصيل أو الجزل أو الفصيح ... وإنما ستجاوز ذلك إلى البحث في حدود المفهوم ومتطلباته واتخاذها حكما في حسم الأمر ولو مؤقتا. ولا ينبغي أن يخفي عنا ذلك جانبا نسميه"الجانب الغريب"في تعامل المستعملين مع المصطلح. فالاعتبارات اللغوية والمفهومية ليست بقادرة وحدها على تفسير ذاك التعامل.
المثال الناصع على ما نقول، من بين أمثلة أخرى واردة، هو مصطلح"إيديولوجيا"الذي ما زال الباحثون والمختصون في الفلسفة والعلوم الإنسانية على امتداد رقعة الوطن