الصفحة 20 من 42

وبينهم جعفر- فحبسهم، وأقاد من الجارح، ودافع عن جعفر، لخؤولة أبي العباس السفاح في بني الحارث، فهدده العقيليون بالرجوع إلى الخليفة، فاضطر السريُ إلى الإذعان لمطلبهم، فأحضر جعفرا وأقاد منه. [1]

وعند النظر في هذه الروايات الثلاث يمكن استنتاج الآتي:

أولا: تتفق الروايات الثلاث فيما بينها أن جعفرا قتل في بني عُقيل، فأقيد منه بسبب ذلك.

ثانيا: تتفق رواية أبي عمرو بن العلاء مع رواية النَّضْر بن حديد في اسم الوالي الذي طبق العقوبة، وهو السريّ بن عبد الله الهاشمي، عامل مكة لأبي جعفر المنصور. وتختلف رواية ابن الكلبي عنهما، وهذا ما يطعن في صحتها، لاسيما إذا عرفنا أن إبراهيم ابن هشام المخزومي الوالي الذي يذكره ابن الكلبي كان واليا على مكة والمدينة لهشام بن عبد الملك من عام مائة وخمسة إلى سنة مائة وخمسة وعشرين (105 - 125 هـ) . ومعنى هذا أننا ما زلنا في زمن دولة بني أمية. وجعفر بن عُلبة من مخضرمي الدولتين الأمويّة والعباسية، فكيف يكون ذلك؟

ثالثا: إن ما يطعن في صحة الرواية الثالثة، ما يذكره النضر بن حديد من أن العُقيليين كشفوا عورة جعفر بين أيدي نسائهم!، فكيف يحدث هذا في مجتمع بدوي محافظ على حوزته، وأهم حوزته التي يحافظ عليها ويحميها هي المرأة؟

رابعا: يبدو لي أن هذه الروايات قد وضعت لِتَفْسير بعض الإشارات الواردة في شعره، خاصة ما يتصل منها بغاراته على بني عقيل وأيامه معهم، وهذا كله يتم دون الالتزام بمدى صدق الرواية أو كذبها. ويبدو لي أيضا أن حياة جعفر التي قضاها في الفتك والصعلكة، جعلت منه بطلا شعبيا، فأصبحت حياته قريبة إلى روح الشعب، فكان هذا مجالا لانتحال الأخبار وخاصة أنه قتل في موقف مثير يبعث على الانتحال؛ وقد يدعم هذا القول ما نجده من أخبار تتصل بجعفر تصل حد الأسطورة الشعبية، وذلك

(1) الأصفهاني، الأغاني، 13: 52 - 53؛ الحموي، تجريد الأغاني، 2: 1: 1454 - 1455؛ العباسي، معاهد التنصيص، 1: 123 - 125؛ البغدادي، خزانة الأدب، 10: 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت