صاحبته التي جمعها وإياه في مشهد مُثير ومحزن، وقد وقفت تُوَدِّعه وقد كشفت عن ثنايا كالبَرَد، وقد آلمها وأحزنها افتراق حبيبها عنها، الذي لا تجمعه الأيام معها إلاّ لمِامًا، وفي مشهد الوداع هذا تمنعه كبرياؤه وعزةُ نفسه من البكاء لئلاّ يشمت به الشامتون، يقول: [1]
أشارت لنا بالكفِّ وهي حزينةٌ ... تُوَدِّعُنا إِذ لم يودع سَلاَمُها
وما أنس مِ الأشياءِ لا أنسَ قولها ... وقد زل عن غُرِّ الثنايا لثِاَمُها
أما من فراقي اليوم بُدٌّ ولا النوى ... بمجتمع إِلا لِشَحْط لمِامُها
فلو كنتُ أبكي من فراق صَبَابَةٍ ... لأذريت عيني دمعة لا أُلاَمُها
ولكنَّ لي عينًا كتومًا بمائها ... جَمُودًا بأيدي الناظرين انسجامُها
ولجعفر مقطوعةٌ غزليةٌ أخرى، تشكل حلما من أحلام اليقظة، وقد منعته الظروف من أن يلتقي بحبيبته في عالم الواقع، فيحاول الالتقاء بها خيالا ليتعلل بطيفها، وقد تراءى له هذا الطيف لمحبوبته التي تزوره في سجنه، ويتعجب من سُرى طيفها ووصوله إليه"على بُعد الدار، وشحط المزار، ووعرة الطريق، واشتباه السبل، واهتدائه إلى المضاجع من غير هادٍ"
(1) انظر مجموع الشعر، القطعة ذات الرقم (9) .