الصفحة 24 من 42

يرشده وعَاضِدٍ يعضده." [1] فيبدل طيفُ محبوبته ظلام السجن من الداخل، وظلاَم الدنيا مِن الخارج إلى نورٍ وإشراق، فيتملكه الخشوع، ويستبد به الذُّهول، فيتصور حاله كأنَّ روحه قد فارقت جسده، يقول: [2] "

عَجِبْتُ لمسراها وأنَّى تخَلَّصتْ ... إليَّ وبابُ السجن دُونيَ مُغْلَقُ

عجبتُ لمسراها وسربٌ أتت به ... بُعيد الكرى كادتْ له الأرض تُشْرِقُ

ألمَّتْ فحيّتْ ثم قامت فوّدعت ... فلما تولت كادت النفسُ تزهَقُ

فلا تَحْسَبني أنيِّ تخشَعْتُ بعدكم ... لشيءٍ ولا أنيِّ من الموت أفرقُ

ولكن عَرَتْنِي من هواكِ صبابةٌ ... كما كنتُ أَلقى منك إِذ أنا مُطلقُ

فأما الهوى والوُدُّ مني فَطَامِحٌ ... إليكِ وجثماني بمكة موُثقُ

إن جعفرا يعيش حالة حصار داخليا وخارجيا، وهو ينتظر الموت في أية لحظة، لذلك يحاول بهذه الوسيلة الفنية أن يخرج من حالة الحصار هذه، ومن الهمِّ الثقيل الذي يجثم على صدره، ومن الوساوسِ التي تُسَاوره. إنه يُحاول أيضا الخروج من ضيق المكان إلى الفضاء الرحب، وإلى الدنيا الفسيحة التي كان يحياها، فتتراءى له المحبوبة، و"ترائي المحبوبة حلم واعٍ يحياه الشاعرُ حياة داخلية نشِطة، خارجة من انغلاق الذات في الحبس القاهر، ليتعلق بالرياح والسحاب والبُرُوق والنيران، ويتخذ هذا النشاط الداخلي مسلكًا"

(1) علي بن الحسن الموسوي الشريف المرتضى، طيف الخيال، تحقيق حسن كامل الصيرفي، ط 1 (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1962 م) ، 6.

(2) انظر مجموع الشعر، القطعة ذات الرقم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت