آخر في التعويض عن الحرمان، لا يخرج فيه الشاعر إلى الطبيعة، بل تفتح عليه الأبواب ليلا ويُزَار." [1] إن الشاعر يُحاول جاهدًا أن يُسلِّيَ نفسه بهذا الحلم، ويحاول أن يحقق نوعا من الاندماج الروحي بينه وبين صاحبته، ولكنه حين يصحو تبرز له الحقيقة الفاجعة، فيكون"كمن صحا على حقيقةٍ رهيبة يجهلها، فطغى عليه يأسٌ فاجعٌ وخيبة قاتلة." [2] ويكشف لنا قوله:"
فأما الهوى والوُدُّ مني فطامِحٌ ... إليكِ وجثماني بمكة موُثقُ
الصراع بين النفس الإنسانية التي تعشق الحرية، وتهوى الأماكن الرحبة وبين ضيق المكان -السجن- وبما يثيره في النفس الإنسانية من وساوس وشكوك وتخيلات، فيحاول -فنيَّا- التغلُّب على هذا الواقع في حلم من أحلام اليقظة.
ولما كان جعفر وغيره من الصعاليك"مُفسدين خارجين على القانون، فقد جدَّت- أي الدولة- في طلبهم، وتشدّدت في تَعَقُّبِهم، وأَنْزلتْ بمن قبضت عليه منهم أشدَّ العقاب، إِمّا بالحبس أو القتل." [3] وقد خضع جعفرٌ للعقوبتين معا، فعندما قُبض عليه، بقي مسجونا إلى أن نفذت عقوبة القصاص بحقه، وقد أنطقهُ السجن بأشعار رائعة؛ ففي شعره وصف دقيق للسجون وللسجانين وأعمالهم وما كانوا ينفذون من تعليمات تصدر إِليهم، كما وصف أبواب السجون، وحُراسَها والأقفالَ التي كانت توضع على أبوابها، والقيودَ التي كانوا يَرْسُفُون بها. وفي شعر جعفر وصفٌ للأجراس التي كان يقرعها السجَّانون طوال الليل لكي"يُحال بين السجناء وبين النوم ليلا، بعد العذاب المضني، فتقرع الأجراس طِوالَ الليل فيجتمع عليه -أي المسجون- النصب"
(1) أحمد مختار البرزة، الأسر والسجن في أدب العرب، ط 1 (دمشق: مؤسسة علوم القرآن، 1985 م) ، 494.
(2) البرزة، الأسر والسجن، 496.
(3) عطوان، الشعراء من مخضرمي الدولتين، 364.