ففرَّج عنا الله مُرَمْىَ عَدُوِّنا ... وضربٌ ببيض المشَرفَّيةِ خابلُ
إذا ما فَرَى هامَ الرؤوس اعتْرَامُها ... تَعَاوَرَهَا منَّا أكفٌّ وكاهلُ
إذا ما رَصَدْنَا مَرْصَدًا فَرَجَتْ لنا ... بأيمانناَ بيضٌ جَلَتْها الصَّيَاقلُ
وقالوا لنا ثنْتَان لا بُدَّ منهما ... صدورُ رماحٍ أشرعتْ أو سَلاسلُ
فقلنا لهم تِلْكُم إذًا بعد كرةٍ ... تُغَادرُ صَرْعى نهضُها مُتَخَاذلُ
ليِهْنِ عُقَيْلًا أنَّنِي قد تَرَكْتُها ... يَنُوء بقتلاها الذئابُ ا لهواملُ
ولجعفر قصيدة أخرى قالها بعد أن وقع في الأسر، وكأنها تُمثل استرجاعا لما حدث بينه وبين العقيليين في يوم (سحبل) ، وقد ترك بني عُقيل في هذه الواقعة يتعالى ضجيجهم من أثر الجراح العميقة كأنه دبارى النوق، وقد طليت بالقطران، فيعلو رغاؤها من أثر الآلام. [1]
إنّ هذه الأبيات- كما أسلفت- تتحدث عن تجربة ماضية، وقد قالها جعفر وهو يرسف بأغلال القيود، ويُكابد الآلام والهموم، لذلك يلجأ جعفر إلى هذه الوسيلة الفنية لخلق عملية توازن لِبُنْيَانِهِ الداخلي الممزّق، عبر الالتجاء إلى الذات والاحتماء بالأنا، والتعبير عن بطولاتها وأمجادها؛ إنه يرفض الاستسلام لفكرة الموت التي ينتظرها في كل لحظة وهو قابع في سجنه، فيسعى إلى خلق توازن لذاته يخفف عنها ألم المصاب، ويهرب من حالة
(1) انظر مجموع الشعر، القصيدة ذات الرقم (11) .