ماء خدوراء العذب الصافي، أو يستمع إلى تهْتاف الحَمام، وذكر الحمام هنا إسقاط لما في نفس الشاعر من حنين وشوق، يقول: [1]
ألا هَلْ إلى فِتْيَانِ لَهوٍ ولذَّةٍ ... سبيلٌ وتَهْتافِ الحَمَام المُطَوَّقِ
وشربةِ ماءٍ من خَدُوراءَ باردٍ ... جرى تحت أظْلاَلِ الأرَاكِ المُسَوَّقِ
وسَيْري مع الفتيان ظلِّ عشيَّةٍ ... أُباَري مَطَايَاهُم بصَهْباءَ سيْلَق
ولجعفر قصيدتان تُصوِّرَانِ مغامراته لبني عُقيل، فوَّارتانِ بالدم، ونكاد نَشُمُّ رائحة الدم تفوح من خلال الأبيات يخرجها جعفر في صورة ما عرف بالأدب العربي بالقصائد"المُنْصفَات"يصوّر في الأولى معركة بينه وبين جمع من بني عُقيل يمتازون بالشجاعة والإقدام، غير هيَّابين ولا وقَّافين، لكن ما يمتاز به جعفر من شجاعة وإقدام أيضا، قد خفف عنهم مواجهة هذا الجمع الذي لا يهاب الموت. موقفٌ مهيب يتخلص فيه الحارثيون من المراصد التي نصبها العقيليون لهم بسيوف بتارة، إذا مسَّت ضَرِيبَتَها تقطع، إنه موقفٌ يجد فيه الإنسان نفسه بين خيارين: أحلاهما مُرٌّ، أو كما يقول أبو العلاء المعرّي:"إِمَّا إِسارا يطيل استخدامك، أو سيفا يسفك دمك." [2] وما دام الموقف على هذه الصورة فالإقدام أفضل من الإحجام، والقتال أولى من الفرار، والخيار الصعب أولى بالفرسان، فتقع المعركة، ويغادر جعفر أرضها وقد ترك جثث العقيليين طعاما لوحوش البراري. يقول جعفر: [3]
وسائلةٍ عنَّا بغيبٍ وسائلٍ ... بمَصْدقِنَا في الحربِ كيف نُحَاولُ
عشية قرى سَحْبَلَ إذْ تعطفتْ ... علينا السرايا والعدو المباسلُ
(1) انظر مجموع الشعر، القطعة ذات الرقم (3) ، الأبيات من (1 - 3) .
(2) أبو العلاء المعري، رسالة الصاهل والشاحج، تحقيق عائشة عبد الرحمن، ط 2 (القاهرة: دار المعارف، 1984 م) ، 547.
(3) انظر مجموع الشعر، القصيدة ذات الرقم (5) .