ابن عمه على إخراجه من السِّجن، وتخليصه مما هو فيه، لأن جعفرا لو كان حرا طليقا، وكان ابن عمه في مكانه لما قبل بهذا الضيم. يقول جعفر من قصيدة: [1]
ألاَ لا أُبالي بعدَ يومٍ بسَحْبَلٍ ... إذا لم أعَذَّبْ أن يجيء حِمَامِيَا
تركتُ بأعلى سَحْبَلٍ ومضيقِهِ ... مُراقَ دمٍ لا يبرح الدهر ثاويَا
فدًى لبني عمِّي أجابوا لِدْعوَتي ... شَفَوْا من بني القَرْعَاء عمِّي وخاليا
تركناهُمُ صرعى كأن ضَجيجَهُم ... ضجيجُ دَبارى النوق لاقت مُدَاوِيا
فإن بقُرّى سحبلٍ لأمارةً ... ونضحَ دماءٍ منهُمُ وَمَحابِيَا
وهذا الكلام لجعفر يدل على أن عملية التَرَاسُلِ من داخل السجن كان مَعْمُولا بها في ذلك الزمان"وتعد الرسائل إحدى الوسائل لإيصال صوت المُحْتَبَسِينَ إلى العالم الخارجي، ولتذكير معارفهم بأمرهم وتعريفهم أحوالهم وحاجاتهم، وكانت المعبر الذي نفذ منه كثير منهم إلى الحرية، ويبدو أن التراسل حق مَارَسَه السجناء منذ القدم بعلم السلطة أو خفية عنها." [2]
ومن داخل السجن، وفي ظل هذه الأوضاع السيئة، وفي غياهب السجن المظلم، إذ يقاسي جعفر مرارة الغربة، ويكابد الآلام، ويتجرع الغُصص، يستبدُّ به الشوق والحنين إلى الأهل والوطن، ويجذبه الشوق إلى تلك المرابع التي كان يقضي فيها أجمل أوقاته وأحلى ذكرياته، فيتَمنىَّ- لو تُسْعِفُه الظروف- أن يُكحل عينيه برؤية تلك المرابع، ويُطفئ حرَّ عطشه من
(1) انظر مجموع الشعر، القطعة ذات الرقم (4) .
(2) البرزة، الأسر والسجن، 142.