الصفحة 27 من 42

الجّزارُ [1]

والغريب أن جعفرا على كثرة جناياته- كما تَدُلُّ أخباره وأشعاره- يرى نفسه مظلوما، وينتظر بفارغ الصبر وسيلة للخلاص، كما يرى أنَّ هذا المقام الذليل لا يليق به فارسا شجاعا، إنه المنطق نفسهُ الذي نراه في أشعار غيره من الشعراء الصعاليك، فالسمهريُّ بن بشر العكلي الصعلوك يرى أنَّ السُّجون منزلة للئام. أما كرام القوم- ويرى نفسه واحدا منهم- فلا يليق بهم هذا المقام الذليل، وهذه المنزلة الرديئة، بل إنهم يتذمَّرُون وَيَتَمْلمَلُون، ويفكرون في وسيلة للخلاص، يقول: [2]

لقد جَمَعَ الحدّادُ بين عصابةٍ ... تَسَاءَلُ في الأسْجَانِ ماذا ذنُوبها

بمنزلةٍ أما اللئيم فآمنٌ ... بها وكرامُ القوم بَادٍ شُحُوُبها

والسجن عند جحدر العكلي أيضا: [3]

مأوى الفتوة للأنْذَالِ مُذْ خُلِقَتْ ... عند الكرام مَحَلُّ الذُلِّ والعَار

وفي شعر جعفر قطعة أخرى يصور فيها ما كان يكابده من هَمٍّ وَوَصَب وَنَصب، وما كان يشعر به من تبرُّم وضيق في هذه الأماكن المظلمة، فالقيود التي يرسف بها تُثْقِلُ خُطاه، فلا يستطيع المشي أو النوم، والأحراس الثلاثة الذين تكفلوا بمراقبته يضيّقون عليه، ويكتمون عليه أنفاسه. وفي ظِل هذه الأوضاع، يبعث جعفر رسالة شعرية من سجنه مستنجدا وحاثّا

(1) مقطرة: القطار: أن تقطر الإبل بعضها البعض على نسق واحد. ابن منظور، لسان العرب، (قطر) .

(2) عبد المعين الملوحي، أشعار اللصوص وأخبارهم، جمعه وتحقيقه (دمشق: دار أسامة، د. ت.) ، 1: 48.

(3) الملوحي، أشعار اللصوص وأخبارهم، 2: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت