فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 234

وحلقوا لحاهم .. ! [1]

تمويه التموين في حصار عكا - عام 586 هـ

بقلم: أخو من طاع الله

اشتد الحصار الصليبي على عكَّا المدينة الحصينة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وقد حاصرها الصليبيون بالسفن العسكرية الضخمة، واستطاعوا أن يقطعوا عنها التموين والطعام بالكلية، فاجتمع على المسلمين في عكا الجوع والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات من طول الحصار وكَلَب العدو الصليبيِّ وقلة العدد والعدَّة.

وكتب أمير البلد (بهاء الدين قراقوش) يوم العاشر من شعبان - وكان قراقوش من خيار الأُمراء خلافًا لما يُشاع عنه - إلى صلاح الدين الأيُّوبي أن ليس عندنا في البلد ما يكفينا إلا لخمسة أيام.

ولم يكن لعكا طريق إلا طريق البحر، والبحر محاصر بالأساطيل الصليبية تحيط بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، فلا يصل إليهم شيء ولا يخرج منهم أحدٌ.

وكان قائد جيش المسلمين في بلاد الشام السلطان المجاهد (صلاح الدين الأيُّوبي) رحمه الله تعالى، فاجتهد في الوصول إلى طريقةٍ يُمدُّ بها المسلمين ويعجِّل غياثهم وهم في أشدِّ الضُّرِّ والبأساء.

فألهمه الله طريقةً عبقريَّةً، جمعت ألوانًا من الفنون العسكرية، فكان المسلمون قد غنموا (بطشةً) من الروم والبطشة هي السفينة الحربية العسكرية، فأمر السلطان من فيها من المسلمين أن يلبسوا زي الفرنجة قال ابن كثير: حتَّى إنَّهم حلقوا لحاهم، وشدُّوا الزنانير، واستصحبوا معهم في البطش شيئًا من الخنازير!! والزنَّار شيء يُشدّ في الوسط كان يلبسه النصارى، وحملوا في هذه المركبة جميع ما كان المسلمون في الداخل يحتاجونه من الطعام: من الجبن والشحم والقديدِ، ومن السلاح: النُّشَّاب، والنفط (وللنفط قصَّة في هذا الحصار لعلَّنا نعرض إليها في المقال القادم) .

ركب المسلمون هذه السفينة ومرُّوا بالروم فلم يشكُّوا طرفة عينٍ أنَّهم منهم! فقد كان التمويه تمويهًا جيدًا، محكم الخطة، عالي الأداء: المركب من مراكب الروم، والركاب قد حلقوا اللحى وليس في المسلمين رجلٌ واحدٌ يحلق لحيته في ذلك الوقت، والصليبيون يحلقون لحاهم، وشدُّوا الزنانير وهي علامةً مميزةٌ للنصارى، ثمَّ

(1) البتار الخامس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت