أحكموا الخطة وسدُّوا كل خلل يحتمل فيها بحمل الخنازير معهم في السفينة، فمن يخطر في باله بعد ذلك أنَّهم من المسلمين جاءوا ليغيثوا إخوانهم؟!!
إنَّ مستوى التمويه وإتقانه في هذه العملية لصلاح الدين رحمه الله ليذكِّر في العصر الحاضر بحرب المدن وما يستخدمه المجاهدون فيها من أساليب للتمويه، وقد كانت الظروف التي احتاج صلاح الدين إلى استخدام هذه الحيلة فيها مماثلةً تمامًا لظروف حرب المدن اليوم، فهو يمر من بين قوة كبيرة للأعداء وإذا اضطر إلى مواجهتهم فسيخسر لا محالة العمل الذي جاء لأجله، فلا مناص من مخادعتهم والمرور بينهم وهم يحسبونه منهم و"الحرب خدعة".
تذكّرت وأنا أتأمَّل هذه القصة غزوة "بدر الرياض" المباركة حين ركب المجاهدان: ناصر السياري، وعلي المعبّدي رحمهما الله وتقبلهما في الشهداء، سيارةً مموهةً بلون سيارات قوات البشمركة السلولية (الطوارئ) ليُدخلاها إلى المجمّع الصليبي المسمّى مجمع المحيَّا، ليسلّموا الصليبيين فيه الدفعة الأولى من نار جهنّم في الدنيا، نسأل الله أن يُذلّ الكفر والكافرين.
فقد لبس المجاهدان اللباس العسكري الخاص بقوات الطوارئ، وركبا المركب المصبوغ بلون قوات الطوارئ واقتحما به على أعداء الله عزَّ وجلَّ وظنّهما الناس من قوات الطوارئ حتَّى بلغا الموضع الَّذي كتب الله فيه ذلك النصر المُبين.
-وهذه القصة أشبه ما تكون بعمليات التهريب التي يستخدمها المجاهدون في الشيشان وفلسطين وأفغانستان والعراق والجزائر وبلاد الحرمين وغيرها، حيث يسلك المجاهدون الطرق العجيبة للتهريب وإدخال الأسلحة إلى الميدان أو تمريرها بين المناطق، فهذه العملية التي قام بها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى من أوَّل عمليَّات تهريب الأسلحة المحكمة في التاريخ المحفوظ.
أما تهريب الطعام فهناك قصة وقعت لسيد البشر صلى الله عليه وسلم، يقول صلى الله عليه وسلم: "ولقد مرَّت عليَّ ثلاثون وما لي طعامٌ يأكله ذو كبدٍ، إلاَّ ما يُواريه إبط بلال" قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هاربا من مكة ومعه بلال إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إبطه.
ومما يدخل في التهريب من التموين الغذائي ما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها وهي تذكر شأن الهجرة، قالت في الحديث: ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، تعني ليالي مبيت النبي صلى الله عليه وسلم في الغار بعد خروجه من مكة.